الاقتصاد اليمني.. قراءة في العهد الذهبي مقابل واقع الانهيار
عاش اليمن، خلال عهد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، مرحلة يصفها كثير من اليمنيين بأنها الأكثر استقرارًا وبناءً في تاريخه الحديث، قياسًا بما آلت إليه الأوضاع بعد خروجه من السلطة. فبعيدًا عن الجدل السياسي، تكشف المؤشرات الاقتصادية والتنموية أن البلاد عرفت في تلك المرحلة ما يمكن تسميتها بـ«الأيام الذهبية للدولة اليمنية».
شهد اليمن خلال حكم صالح نهضة تنموية شاملة جعلت من الدولة ورشة عمل مفتوحة. فقد توسعت البنية التحتية على نطاق غير مسبوق، وشُقت آلاف الكيلومترات من الطرق الرئيسية والريفية، التي ربطت المحافظات بالمديريات والعزل والقرى، وأنهت عزلة تاريخية عن ملايين اليمنيين، وأسهمت بصورة مباشرة في تنشيط الزراعة وتسهيل تسويق منتجاتها داخليًا وخارجيًا، وربطت الاقتصاد المحلي بالأسواق الوطنية والإقليمية.
وفي قطاع الطاقة، أُنشئت محطات كهرباء متعددة تعمل بالديزل والمازوت والغاز، وبدأ استخراج النفط والغاز بشكل منظم، مع إنشاء موانئ التصدير وخطوط النقل، وإعداد البنية التشريعية لاتفاقيات المشاركة في الإنتاج، إلى جانب دراسات الاستكشاف. وقد شكّل ذلك رافدًا اقتصاديًا حيويًا، مكّن الدولة من تأمين الاستهلاك المحلي أولًا ثم التوجه إلى التصدير، ما عزز الإيرادات العامة وفتح آفاقًا أوسع للتنمية والاستثمار.
قفزة نوعية في الصحة والتعليم
تكشف الأرقام حجم التحول الذي شهدته البلاد. ففي عام 1978، لم يكن في اليمن سوى 381 منشأة صحية، و2800 سرير، و469 طبيبًا فقط. لكن بحلول 2007، ارتفع عدد المنشآت الصحية إلى نحو 13,400 منشأة، بينها 3600 مرفق حكومي و9700 مرفق خاص، مع أكثر من 46 ألف كادر طبي، من بينهم آلاف الأطباء والاختصاصيين، ما عكس توسعًا حقيقيًا في مظلة الرعاية الصحية وقدرة الدولة على الوصول إلى مختلف المناطق.
الأمر ذاته ينطبق على قطاع التعليم، حيث انتشرت المدارس والمعاهد والكليات، وتأسست جامعات في جميع المحافظات، ما أسهم في بناء رأسمال بشري وطني، كان يُنظر إليه كأحد أهم ركائز التنمية المستقبلية، ومكّن فئات واسعة من التعليم العالي بعد أن كان حكرًا على نطاق جغرافي واجتماعي محدود.
ولم تقتصر النهضة على البنية التحتية والخدمات، بل شملت الإنسان اليمني ذاته. فقد ارتفع عدد المستفيدين من الرعاية الاجتماعية من 1600 حالة فقط في أواخر السبعينيات، إلى أكثر من مليون و43 ألف حالة في 2007، في مؤشر واضح على اتساع دور الدولة الاجتماعي وتحسن قدرتها على رعاية الفئات الأشد احتياجًا، ضمن سياسة هدفت إلى تخفيف الفقر وتعزيز التماسك الاجتماعي.
وخلال تلك المرحلة، حافظ اليمن على قرار وطني مستقل بعيدًا عن سياسة المحاور والارتهان للخارج، واستطاع –رغم محدودية الموارد– تقليص اعتماده النسبي على المساعدات الخارجية، مستنداً إلى النفط والغاز، والزراعة، والصناعات الأساسية والتحويلية، ضمن مزيج من القطاع العام والمختلط والخاص.
ما بعد صالح… انقلاب المؤشرات
في المقابل، تبدو الصورة بعد عام 2011 شديدة القتامة. فقد دخلت البلاد مرحلة من الفوضى، سرعان ما انعكست على الاقتصاد. تعطلت عجلة الإنتاج، وتفككت مؤسسات الدولة، وتحولت الموارد إلى أدوات صراع بدلًا من كونها محركات تنمية.
تفشى الفقر على نطاق غير مسبوق، وارتفعت معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب، فيما انهارت الخدمات الصحية والتعليمية، وتراجعت الرعاية الاجتماعية إلى حدودها الدنيا. وأصبح المواطن اليمني يواجه أعباء المعيشة دون شبكة أمان حقيقية، في ظل تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل.
اقتصاديًا، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي بشكل حاد، وتراكمت الديون العامة، وضعفت السياسات المالية والنقدية، وتدهورت العملة الوطنية، بينما تحوّل الفساد من ظاهرة مزمنة إلى نمط إدارة شبه معلن. كما أدت الحرب وتعدد مراكز القرار إلى شلل الاستثمار المحلي والأجنبي، وضربت البنية التحتية التي بُنيت على مدى عقود، لتدخل البلاد في حلقة مفرغة من الانكماش والعجز.
وبينما كانت الدولة في السابق فاعلًا اقتصاديًا واجتماعيًا، أصبحت بعد 2011 كيانًا هشًا، عاجزًا عن التخطيط أو التنفيذ أو حتى ضبط الموارد. وتحول الاقتصاد من اقتصاد إنتاج نسبي إلى اقتصاد بقاء يعتمد على التحويلات والمساعدات، في ظل غياب رؤية وطنية جامعة.
عند وضع المؤشرات جنبًا إلى جنب، تتضح الفجوة الهائلة بين مرحلتين: مرحلة دولة تبني وتنتج وتوسّع خدماتها، ومرحلة انهيار شامل ضرب الاقتصاد والمجتمع. وبغضّ النظر عن المواقف السياسية، فإن الوقائع تؤكد أن اليمن في عهد علي عبدالله صالح عرف استقرارًا وتنمية جعلا تلك السنوات حاضرة بقوة في الذاكرة الجمعية، بوصفها زمن دولة قائمة واقتصاداً ممكناً، قبل أن تدفع البلاد ثمن الفوضى والانهيار الذي تلاها.