اليمن القادم: كيف تصنع السعودية كابوسها الجيوسياسي بيدها؟
إذا استمرت المملكة العربية السعودية في إدارة الملف اليمني بالعقلية الحالية، فنحن لا نتجه نحو تسوية، بل نحو إعادة رسم خريطة اليمن — وربما المنطقة — بطريقة ستدفع ثمنها لعقود..
المشكلة لم تعد في الحرب، بل في ما بعدها:
السعودية تتصرف وكأنها خرجت من الصراع، بينما الحقيقة أنها تؤسس لنسخة أخطر منه!.
السيناريو الذي يتشكل الآن (وليس في المستقبل)
ما يبدو اليوم “تهدئة” هو في الواقع ملامح واقع جديد:
جماعة الحوثي تتحول من ميليشيا إلى كيان شبه دولة بحدود فعلية وسلطة مركزية وقوة عسكرية مستقرة
وارتباط إقليمي مع إيران، ما تقوم به السعودية، ليس “احتواء”، بل اعتراف تدريجي بدولة أمر واقع معادية على حدود السعودية..
في المقابل، المجلس الانتقالي الجنوبي يراكم أدوات الدولة، فهو يسيطر أمنيا وعسكريا، بخطاب سياسي انفصالي واضح، فالمسألة لم تعد “مطالب جنوبية”، بل مشروع دولة قيد التنفيذ..
بين هذين الكيانين، تختفي كل مؤسسات الدولة فالجيش الوطني يتفكك والشرعية تفقد معناها
والقرار السيادي يتبخر والسعودية لا تدير، بل تفكك بهدوء!.
الكارثة الاستراتيجية: ستجد السعودية نفسها ليس في مواجهة خصم واحد، بل أمام: كيان شمالي مسلح، عقائدي، مرتبط بخصم إقليمي وكيان جنوبي هش، قابل للاختراق، وغير مستقر، أي أن النتيجة النهائية ليست الاستقرار، بل: حدود طويلة مع الفوضى… وتهديدات متعددة بدل تهديد واحد..
لماذا هذا السيناريو ليس خيالا؟
لأن كل عناصره موجودة الآن:
الحوثي لم يعد في موقع دفاع والانتقالي لم يعد مجرد فصيل والدولة لم تعد فاعلا حقيقيا والأخطر:
السياسة الحالية تعزز هذه الاتجاهات بدل أن توقفها..
الخطأ القاتل: الاعتقاد أن الوقت يعمل لصالحك، فكل يوم يمر بسياسة “الاحتواء”: يقوي الحوثي ويرسخ الانفصال ويضعف الدولة..
لكن الأهم:
يغلق باب العودة إلى يمن موحد وقابل للحياة، فما يحدث ليس فشلا في إدارة أزمة، بل نجاح في إنتاج أزمة أكبر، فإذا استمرت المملكة العربية السعودية بهذا النهج، فالنتيجة الأكثر ترجيحا ليست السلام، بل: يمن مقسم فعليا، وغير مستقر بالكامل —
وحدود سعودية مفتوحة على تهديد دائم لعقود قادمة..
السؤال لم يعد: هل ستنجح هذه السياسة؟
بل: هل لا تزال هناك فرصة لتفادي النتيجة التي يجري بناؤها الآن؟.