إرث "حرب المدن".. باحث أمريكي يحلل كيف غيرت المواجهة مع العراق ديموغرافيا إيران
تحدث الباحث الأمريكي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط مايكل روبين عن التحولات العميقة التي شهدتها المدن الإيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية، معتبراً أن تلك الحرب تركت آثاراً ديموغرافية وعمرانية ما زالت تلقي بظلالها على إيران حتى اليوم.
وفي تحليل نشره منتدى الشرق الأوسط، قال روبين، وهو باحث في معهد أمريكان إنتربرايز، إن الحرب التي استمرت بين عامي 1980 و1988 كانت بالنسبة لمعظم الإيرانيين شبيهة بتجربة الحرب العالمية الأولى من حيث قسوتها وطبيعة المعارك.
وأوضح أن الصراع اتسم بحرب خنادق طويلة، حيث بقيت خطوط المواجهة شبه ثابتة لسنوات، بينما أدت الهجمات المتكررة عبر المناطق المحايدة إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى.
كما استخدمت القوات العراقية أسلحة كيميائية، ما ترك آثاراً صحية دائمة لدى العديد من الجنود الإيرانيين.
وأشار التقرير إلى أن الحرب شهدت أيضاً ما عُرفت بـ"حرب المدن"، حيث تبادل الطرفان إطلاق صواريخ بعيدة المدى استهدفت مناطق حضرية، ما تسبب في سقوط آلاف الضحايا في كل من إيران والعراق.
تحولات ديموغرافية
قبل اندلاع الثورة عام 1979، شهدت العاصمة الإيرانية طهران نمواً عمرانياً سريعاً خلال ربع قرن، مدفوعاً بالتوسع الصناعي والتنمية الاقتصادية. فقد ارتفع عدد سكان المدينة من أقل من مليوني نسمة عام 1960 إلى أكثر من 4.5 مليون نسمة بحلول عام 1980، فيما تجاوز عدد سكان منطقة طهران الكبرى عشرة ملايين نسمة.
غير أن الحرب مع العراق أحدثت تغييرات كبيرة في خريطة المدن الإيرانية. فقد سيطرت القوات العراقية في مراحل مختلفة من الحرب على مدن إيرانية عدة، من بينها خرمشهر وسوسنجرد ومهران وقصر شيرين، كما تعرضت مدن أخرى للتدمير.
كما فرضت القوات العراقية حصاراً على عبادان لأكثر من عشرة أشهر، ما أدى إلى دمار واسع في المدينة. وأدت المعارك إلى موجات نزوح كبيرة نحو طهران، قبل أن تدفع الضربات الصاروخية التي استهدفت العاصمة عام 1984 العديد من السكان إلى مغادرتها باتجاه مدن أكثر أمناً في شرق البلاد.
صعود مدن جديدة
يشير روبين إلى أن هذه التطورات ساهمت في تغيّر ترتيب المدن الإيرانية من حيث عدد السكان. ففي ستينيات القرن الماضي كانت طهران أكبر المدن، تليها أصفهان، بينما تنافست تبريز ومشهد على المركز الثالث.
لكن بحلول عام 1986، تضاعف عدد سكان مشهد إلى أكثر من 1.4 مليون نسمة، متجاوزاً بكثير مدناً أخرى.
ويعزو التقرير هذا التحول إلى شعور واسع بأن المدينة الواقعة شرق البلاد بعيدة نسبياً عن جبهات الحرب وعن التوترات في الخليج.
قراءة للحاضر
ويرى روبين أن تجربة الحرب مع العراق ما تزال تؤثر في التفكير الاستراتيجي الإيراني. فمع تصاعد التوترات العسكرية الحالية، أفادت تقارير بأن بعض المسؤولين والقادة العسكريين الإيرانيين انتقلوا إلى مشهد، التي تضم مرقد الإمام علي الرضا.
وأشار إلى أن النقاش حول نقل العاصمة الإيرانية عاد إلى الواجهة في عهد الرئيس مسعود بزشكيان، في ظل مشكلات الاكتظاظ والبنية التحتية المتقادمة في طهران، إضافة إلى موقعها في منطقة نشطة زلزالياً.
ويقول روبين إن القيادة الإيرانية قد تعتقد أن الابتعاد عن العاصمة يوفر لها قدراً أكبر من الأمان في حال توسع الصراع، لكنه يرى أن طبيعة الحروب الحديثة، القائمة على الضربات الدقيقة والطائرات المسيرة، تجعل مثل هذه الحسابات أقل فاعلية مما كانت عليه في الماضي.