العطش يحاصر تعز.. مدينة تبحث عن الماء وسط حصار حوثي طويل
لم تعد أزمة المياه في مدينة تعز مجرد مشكلة خدمية عابرة يمكن احتواؤها بقرار إداري أو مشروع مؤقت، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في اليمن، حيث يعيش مئات الآلاف من السكان تحت ضغط العطش وارتفاع أسعار المياه وشح المصادر، في ظل حصار حوثي طويل وواقع سياسي واقتصادي وأمني بالغ الصعوبة.
ومع استمرار سنوات الحرب وتراكم الأعباء المعيشية، يجد المواطن في تعز نفسه أمام معادلة قاسية: البحث يومياً عن الماء، أو مواجهة حياة تزداد قسوة يوماً بعد آخر، في مدينة كانت يوماً إحدى أهم الحواضر اليمنية وأكثرها حيوية.
تاريخياً، لم تكن تعز مدينة غنية بالموارد المائية مقارنة بمدن يمنية أخرى، إذ تقع في منطقة جبلية تعتمد بشكل رئيس على المياه الجوفية المحدودة وعلى الأمطار الموسمية التي تغذي الأحواض المائية والآبار المنتشرة في محيط المدينة.
ومع ذلك، تمكنت السلطات المحلية قبل سنوات الحرب من تشغيل شبكة مياه حكومية كانت تزود أجزاءً واسعة من المدينة بالمياه بشكل دوري، رغم وجود تحديات في الإمداد وتزايد الطلب.
غير أن هذا النظام الخدمي بدأ بالتراجع تدريجياً مع تصاعد الصراع المسلح في اليمن منذ عام 2015، حتى وصل إلى مرحلة الانهيار، الأمر الذي دفع آلاف الأسر إلى البحث عن بدائل مكلفة وغير مستقرة لتأمين احتياجاتها الأساسية من المياه.
الحرب وتداعياتها على البنية التحتية للمياه
أدت الحرب في اليمن إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية الخدمية، ولم يكن قطاع المياه في تعز استثناءً من ذلك. فقد تعرضت العديد من الآبار ومحطات الضخ وخطوط الإمداد لأضرار نتيجة المواجهات العسكرية أو الإهمال الناتج عن غياب الصيانة الدورية.
كما أن انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة جعل تشغيل مضخات المياه أمراً بالغ الصعوبة، إذ يعتمد تشغيلها في كثير من الأحيان على الوقود، الذي يشهد بدوره ارتفاعاً مستمراً في الأسعار وصعوبة في التوفير.
وتشير تقديرات محلية إلى أن شبكة المياه الحكومية التي كانت تغطي نسبة كبيرة من أحياء المدينة أصبحت عاجزة عن تلبية احتياجات السكان، إذ تعمل في بعض الفترات بشكل متقطع، بينما تنقطع الخدمة لأشهر طويلة عن أحياء واسعة من المدينة.
هذا الانقطاع المستمر دفع السكان إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على مصادر بديلة، أبرزها شراء المياه من صهاريج النقل المعروفة محلياً باسم "وايتات المياه"، والتي أصبحت اليوم المصدر الرئيسي لإمدادات المياه في معظم أحياء تعز.
صهاريج المياه.. اقتصاد موازٍ للعطش
مع انهيار منظومة الإمداد الحكومي، نشأت في تعز سوق واسعة لنقل المياه عبر وايتات المياه، وهي صهاريج صغيرة ومتوسطة تنقل المياه من آبار خاصة تقع في أطراف المدينة أو في المديريات المجاورة.
وفي كثير من الحالات يتم جلب المياه من مناطق تقع تحت سيطرة مليشيات الحوثي في منطقة الحوبان شرقي المدينة.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه التجارة إلى نشاط اقتصادي واسع يديره أصحاب آبار ومستثمرون في قطاع المياه، في ظل غياب رقابة كافية على الأسعار أو جودة المياه التي يتم بيعها للمواطنين.
ويقول سكان في أحياء مختلفة من المدينة، إن أسعار المياه شهدت ارتفاعات متكررة خلال السنوات الأخيرة، حيث تضاعفت التكلفة عدة مرات مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. وفي بعض الفترات يصل سعر صهريج المياه إلى مبالغ تفوق قدرة كثير من الأسر محدودة الدخل، ما يضطرها إلى تقليل استهلاك المياه إلى الحد الأدنى.
هذا الواقع خلق ما يشبه اقتصاداً موازياً مرتبطاً بالعطش، حيث أصبح الحصول على الماء مرتبطاً بالقدرة المالية، بينما تجد الأسر الفقيرة نفسها أمام خيارات محدودة، غالباً ما تنتهي بالاعتماد على مياه أقل جودة أو تخزين المياه لفترات طويلة في ظروف غير صحية.
الجغرافيا القاسية ونضوب المياه الجوفية
تلعب الجغرافيا دوراً مهماً في تفاقم أزمة المياه في تعز، فالمدينة تقع على سفوح جبلية ولا تحتوي على أنهار أو مصادر مائية سطحية دائمة، وتعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية.
ورغم وجود بعض المشاريع المائية في منطقة الحوبان، التي تقع تحت سيطرة الحوثيين، إلا أن هذه المصادر لا تصل إلى سكان مدينة تعز كما كان الحال في السابق، بعد توقيف ضخ المياه نحو المدينة منذ سنوات، من قبل مليشيات الحوثي وتحويل ذلك الى استثمار ببيع وايتات المياه بمبالغ مالية كبيرة الى مدينة تعز.
ويقول سكان، إن المياه التي كانت تصل سابقاً عبر هذه المشاريع أصبحت تُنقل حالياً بواسطة الوايتات عبر المنافذ الواقعة بين مناطق السيطرة المختلفة، ما أدى إلى ارتفاع تكلفتها بشكل كبير على السكان.
ومع الزيادة السكانية الكبيرة التي شهدتها المدينة خلال السنوات الماضية، ارتفع الضغط على الموارد المائية المحدودة بشكل ملحوظ، الأمر الذي أدى إلى تراجع مستويات المياه في كثير من الآبار.
وقد تسبب الحفر العشوائي للآبار واستنزاف المياه الجوفية في انخفاض منسوب المياه في مناطق عديدة، ما أدى إلى جفاف بعض الآبار أو تراجع قدرتها الإنتاجية بشكل واضح.
كما أن التغيرات المناخية وتراجع معدلات الأمطار في بعض السنوات ساهمت بدورها في تقليل التغذية الطبيعية للأحواض المائية.
ويرى خبراء في مجال الموارد المائية أن استمرار استنزاف المياه الجوفية دون إدارة فعالة قد يقود إلى أزمة أكثر حدة في المستقبل، خاصة إذا لم يتم تنفيذ مشاريع بديلة لتعزيز مصادر المياه أو تحسين إدارة الموارد المتاحة.
النزوح السكاني يضاعف الطلب على المياه
لم تقتصر تداعيات الحرب على تدمير البنية التحتية فحسب، بل امتدت أيضاً إلى التغيرات السكانية داخل المدينة.
فقد استقبلت تعز خلال سنوات الصراع موجات من النازحين القادمين من مناطق ريفية أو من مناطق شهدت مواجهات أكثر حدة، كما عاد خلال العامين الأخيرين عدد من سكان المدينة إلى منازلهم بعد فترات من النزوح.
هذا التغير السكاني أدى إلى زيادة عدد السكان في معظم الأحياء بشكل كبير، ما تسبب في ارتفاع الطلب على المياه إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت تتراجع فيه قدرة المصادر المائية على تلبية هذا الطلب المتزايد.
ونتيجة لذلك، أصبحت المنافسة على المياه أكثر حدة، خصوصاً في الأحياء المكتظة بالسكان أو الواقعة في المناطق المرتفعة التي يصعب وصول صهاريج المياه إليها بسهولة.
آثار إنسانية وصحية متفاقمة
لا تقف أزمة المياه في تعز عند حدود المشكلة الخدمية أو الاقتصادية، بل تمتد إلى آثار إنسانية وصحية خطيرة.
فقلة المياه النظيفة تؤثر بشكل مباشر على مستوى النظافة العامة والشخصية، ما يزيد من احتمالات انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة وسوء الصرف الصحي.
كما أن تخزين المياه لفترات طويلة في خزانات غير محكمة قد يؤدي إلى تلوثها أو تحولها إلى بيئة مناسبة لتكاثر البعوض، وهو ما يرفع من خطر انتشار أمراض مثل حمى الضنك وأمراض أخرى مرتبطة بالبيئة الصحية الهشة.
وفي كثير من الأسر تتحمل النساء والأطفال العبء الأكبر في إدارة أزمة المياه داخل المنازل، إذ يقضون ساعات طويلة في انتظار وصول الصهاريج أو في نقل المياه وتخزينها، وهو ما يضيف أعباء يومية جديدة إلى حياة تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية ومعيشية قاسية.
جهود محدودة ومطالب بحلول جذرية
في مواجهة هذه الأزمة المتفاقمة، أعلنت السلطات المحلية في تعز خلال السنوات الماضية عن عدد من الخطط والمبادرات الرامية إلى تحسين إمدادات المياه، من بينها حفر آبار جديدة وتشغيل بعض الحقول المائية وإعادة تأهيل أجزاء من شبكة المياه الحكومية.
كما طُرحت مقترحات لتنظيم سوق صهاريج المياه ووضع ضوابط للأسعار، بهدف الحد من الارتفاعات الكبيرة التي تثقل كاهل المواطنين.
غير أن هذه الجهود، بحسب مراقبين، ما تزال محدودة مقارنة بحجم المشكلة وتعقيداتها، إذ تحتاج مشاريع المياه إلى استثمارات كبيرة وبيئة مستقرة تسمح بتنفيذها وصيانتها بشكل مستمر.
ويرى خبراء أن معالجة أزمة المياه في تعز تتطلب رؤية شاملة تشمل إدارة الموارد المائية بشكل مستدام، وتطوير بنية تحتية حديثة، والاستفادة من تقنيات حصاد مياه الأمطار، إضافة إلى تعزيز دور المؤسسات المحلية في تنظيم استخدام المياه ومراقبة الأسواق المرتبطة بها.
مدينة تبحث عن الماء
في المحصلة، تبدو أزمة المياه في تعز انعكاساً مصغراً للأزمة اليمنية الأوسع، حيث تتقاطع الحرب مع ضعف الإدارة وشح الموارد لتخلق واقعاً إنسانياً معقداً.
وبينما يواصل سكان المدينة التكيف مع هذا الواقع بوسائل مختلفة، يبقى الأمل معلقاً على حلول جذرية تعيد للمدينة أحد أبسط مقومات الحياة: الماء.
ففي مدينة عُرفت تاريخياً بالحياة الثقافية والنشاط الاقتصادي، أصبح الحصول على الماء اليوم تحدياً يومياً يختبر قدرة السكان على الصبر والصمود، ويضع المجتمع الدولي والجهات المعنية أمام مسؤولية البحث عن حلول مستدامة لأزمة لا تبدو قريبة من نهايتها.