في الذكرى الرابعة لاستشهاده: حمدي المكحل.. كلمة الحرية حين صمت الجميع
لم يكن حمدي عبدالرزاق الخولاني قائداً عسكرياً، ولا زعيماً قبلياً، ولا وجيهاً من وجهاء اليمن. لم يكن يملك قبيلة تحميه، ولا حزباً يفاوض باسمه، ولا مالاً يسنده في وجه العواصف.. كان شاباً بسيطاً، يعمل على دراجته النارية بين أزقة المدينة القديمة، يسابق لقمة العيش ويطارد قوت أطفاله.
لكن ما لم يكن بسيطاً في حياته هو كلمته. تلك الكلمة التي قالها في زمن الصمت والخضوع، فكانت أثقل من الرصاص، وأخطر من البنادق، وأقوى من جدران السجان الحوثي المتعجرف.
اليوم ونحن نقف على الذكرى الرابعة لاستشهاده، فهي ليست قصة مجرد حادثة عابرة في سجل الانتهاكات، بل مرآة لمرحلة كاملة من القهر والتجويع الحوثي وتكميم الأفواه.
لقد انتفض المكحل بكلمته على واقع فرضته ميليشيا الحوثي في مناطق سيطرتها، واقعٍ يقوم على إخضاع الناس بالقوة، وتحريف الدين لخدمة مشروعها، واستغلال المساجد والمدارس لتطويع العقول، وتحويل الفقر إلى أداة إذلال جماعي، لا ترحم.
لم يكن المكحل منظّراً سياسياً، لكنه كان يرى، يرى الجوع في وجوه الناس، والبطالة التي تلتهم الشباب، والمرتبات المنقطعة، والجبايات التي لا تتوقف. كان يرى كيف تحولت المساجد إلى منابر تعبئة، وكيف زُجّ بالأطفال إلى وقود في حرب عبثية وكيف زج بهم أيضاً في مدارس تحوّلت من مؤسسات تعليم إلى منصات تعبئة فكرية، وكيف أصبح الخطيب يكرر خطاباً واحداً، والمناهج تُعاد صياغتها بما يخدم مشروعاً طائفياً لا يشبه اليمنيين ولا تاريخهم.
في مقاطعه القصيرة، كان يتحدث بلسان الناس لا بلغة النخب. كان يقول إن الفقر ليس قدراً، وإن الدين ليس أداة للهيمنة، وإن الوطن أكبر من جماعة. لم يكن يخاطب الخارج، بل كان يخاطب الشارع الذي يعرفه، والحارة التي نشأ فيها، والمواطن البسيط الذي أنهكه الغلاء والظلم والخوف.
وفي زمن القطيع، حين اختار كثيرون الاصطفاف أو النفاق أو الصمت، وحين انحنى كثير من المشايخ والوجهاء والنخب والناشطين تحت وطأة الترهيب أو المصالح، خرج المكحل بلا سند إلا ضميره.. قال كلمة الحرية حين خجل آخرون من قولها.
لم يكن يملك سوى كاميرة جواله وصوته، لكنه كان قوة بحريته، مهابةً بصدقه، وخطراً على مشروع الانقلاب الحوثي بوضوحه، وصدق وطنيته.
الاختطاف تمهيد للتصفية
لم تحتمل الميليشيا الخمينية صوتاً يخرج من داخل مناطق سيطرتها ويكشف تناقضاتها، ويفضح إجرامها وعبثها وخرافاتها، فجرى اختطاف المكحل واقتياده إلى أحد السجون التابعة لها في محافظة إب.. هناك، خلف الجدران المعتمة، حيث لا كاميرات رقابة مستقلة ولا إشراف قضائي حقيقي، بدأت فصول المأساة.
لم يكن اختطافه مجرد إجراء أمني، بل رسالة ترهيب. رسالة تقول إن من يتجرأ على نقد المشروع سيُسحق، أياً كان موقعه الاجتماعي.
داخل الزنزانة، تعرّض المكحل لتعذيب قاسٍ، وفق ما أكدته آثار واضحة شوهدت على جسده لاحقاً. لم يكن الهدف استجوابه فقط، بل كسر روحه، وإخماد رمزية صوته.
لكنهم لم يكتفوا بكسره، بل صفّوه.. تمّت تصفيته داخل أحد سجون ميليشيات الحوثي بمحافظة إب.
لم يمت بسقوط عابر، ولم تكن وفاته حادثاً عرضياً.. لقد قُتل تحت التعذيب، ثم أُخرج جسده إلى الناس محمّلاً بشهادات الجلد والكدمات وآثار الضرب التي لا تخطئها العين.
الجسد الذي تكلم بعد الموت
حين خرج جثمانه إلى النور، كان الجسد أبلغ من أي بيان. الذين شاركوا في جنازته شاهدوا آثار التعذيب بوضوح. كانت الكدمات تحكي، والجراح تنطق، والعلامات على جسده تروي ما جرى في الزنزانة الحوثية الاجرامية. حاولوا إغلاق القصة، لكن الجسد فضحهم.
تحولت جنازته إلى لحظة انكشاف. لم يكن المشهد مجرد تشييع شاب قُتل ظلماً، بل كان وقفة كرامة في وجه سلطة مليشيا أرادت إخضاع الجميع. خرج الناس يودعونه وهم يدركون أن الرجل الذي لم يملك سلاحاً ولا مالاً ولا قبيلة، هزمهم بكلمة، وأحرجهم بموقف.
الحرية في مواجهة مشروع الخرافة
لم تكن معركة المكحل مع شخص بعينه، بل مع مشروع كامل.. مشروع يقوم على إعادة تشكيل المجتمع وفق سردية طائفية، وعلى احتكار الحقيقة الدينية، وعلى تسخير المنابر التعليمية والدعوية لخدمة رؤية أحادية.
لقد انتقد استغلال المساجد لتكريس الولاء الطائفي، ورفض تحويل المدارس إلى أدوات تعبئة، وهاجم فكرة إخضاع الناس باسم الدين.
كان يقول إن الدين أخلاق وعدل، لا سوطاً فوق ظهور الجائعين.. كان يرى أن من يتحدثون عن الزهد يعيشون في بحبوحة، وأن من يرفعون شعارات المقاومة يثقلون كاهل الناس بالإتاوات والجبايات... وهذا ما جعله هدفاً مباشراً.
وفي زمن الزناديل، حيث يُكافأ المهللون أرباب النفاق ويُهمّش الصادقون، كان المكحل خارج السرب. لم ينخرط في جوقة المديح، ولم يرتدِ عباءة الولاء القسري.. كان حراً، والحرية في الأنظمة المغلقة والمليشيات العبثية جريمة لا تُغتفر.
حين صمت الكبار وتكلم البسيط
من أكثر ما منح قصته بعداً أخلاقياً ووطنياً عميقاً، أنه قال ما لم يقله كثير من أصحاب النفوذ والوجاهات والنخب في محافظة إب، ومختلف المحافظات التي تسيطر عليها مليشيات الحوثي، حيث التاريخ القبلي والاجتماعي عريق، اختار عدد من المشايخ والوجهاء الصمت أو المسايرة.
لكن الشاب البسيط، الذي لا يملك سوى دراجته النارية وصوته، كسر حاجز الخوف.. لم ينتظر دعماً، ولم يراهن على حماية.. كان يدرك أن الكلمة قد تكلّفه حياته، لكنه قالها.
وهنا تكمن المفارقة: رجل بلا قوة مادية، أصبح قوة معنوية. بلا منصب، لكنه صار رمزاً. بلا قبيلة تحارب لأجله، لكنه حارب بالكلمة.
لقد أثبت حمدي المكحل أن الحرية لا تحتاج إلى عتاد، بل إلى شجاعة.. وأن الصوت الصادق قد يهز منظومة استبداد كاملة، حتى لو انتهى بصاحبه في زنزانة مظلمة.
أثره بعد أربع سنوات
أربع سنوات مرت على استشهاده، وما زال اسمه يتردد كلما ذُكر القمع، وكلما طُرح ملف التعذيب في سجون الميليشيا.. لم يختفِ كما أرادوا، ولم تُمحَ قصته من الذاكرة.. بل أصبح عنواناً لمرحلة، ودليلاً على أن الكلمة قد تُقمع، لكنها لا تموت.
قصة المكحل ليست فقط قصة رجل قُتل تحت التعذيب، بل قصة مجتمع خائف رأى في موته مرآة لواقعه. قصة وطن يُراد له أن يُطوّع لمشروع خرافي، فوقف شاب بسيط ليقول: لا.
سر ثباته في زمن الخجل
ما الذي جعل المكحل ثابتاً في زمن الخجل؟ ربما لأنه لم يكن يسعى إلى مكسب. لم يكن ينتظر منصباً، ولا صفقة، ولا امتيازاً. كان يرى ظلماً فتكلم. بساطته كانت سر قوته؛ لأنه لم يكن مقيداً بحسابات السياسة، ولا بتوازنات القبيلة، ولا بوعود السلطة.
في زمن القطيع، كان فرداً. في زمن الانحناء، كان واقفاً. في زمن الشعارات الفارغة، كان صريحاً. ولذلك كان التخلص منه ضرورة لمن أرادوا إخماد أي شرارة قد تشعل وعياً شعبياً.
لقد ظنوا أن تصفيته داخل السجن ستُنهي الحكاية، لكنها بدأت بها. صار اسمه مقروناً بالحرية، وصارت ذكراه موعداً سنوياً لتجديد السؤال: كم يدفع اليمنيون ثمناً لكلمة حق؟
في الذكرى الرابعة لاستشهاده، يبقى حمدي المكحل أكثر من ضحية تعذيب. إنه شاهد على مرحلة، وصرخة في وجه الاستبداد، ودليل حيّ – حتى بعد موته – على أن الحرية قد تُسجن، قد تُعذّب، قد تُقتل، لكنها لا تُهزم.