افتتاحية خبر (1) بين الدولة والفوضى… من يخشى المقارنة؟

كلما اقتربت ذكرى نكبة فبراير، أو حلت مناسبة وطنية، أو برزت محطة سياسية فارقة، يتجدد خطاب التحريض الإخواني ضد الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح، وكأن الرجل ما يزال حاضراً في المشهد ينافس خصومه على السلطة.

غير أن الحقيقة أبعد من شخص، وأعمق من خصومة؛ فما يُستدعى اليوم ليس اسماً بقدر ما هو نموذج دولة.

الهجوم المتكرر لا يعكس خلافاً سياسياً طبيعياً، بل يكشف قلقاً مزمناً وعقدة واضحة من المقارنة. فالشعوب بطبيعتها تقارن بين المراحل... بين زمن كانت فيه الدولة إطاراً جامعاً، والمؤسسات قائمة، والقرار السيادي واضح المعالم، وبين واقع تتنازعه الإنقسامات، وتتجاذبه المشاريع المتصارعة، وتغيب فيه المرجعية الوطنية الجامعة.

لم يكن عهد الزعيم خالياً من التحديات، لكن الدولة كانت الحكم بين الجميع، والجيش مؤسسة وطنية موحدة، والوحدة اليمنية حقيقة راسخة، والسياسة تُدار من داخل النظام لا من خارجه. أما حين تحولت الخصومة إلى مشروع إسقاط شامل، انفرط العقد، وتعددت مراكز القوى، وتراجع مفهوم الدولة لصالح كيانات متناحرة، لكل منها حساباته وأجنداته.

لماذا يتحول أي استدعاء هادئ لتلك المرحلة إلى حالة استنفار سياسي وإعلامي؟ ولماذا يُقابل الحديث عن منجزات الدولة السابقة بكل هذا التشنج؟

الإجابة واضحة... لأن المقارنة ليست في صالح من رفعوا شعارات التغيير، ثم عجزوا عن تقديم نموذج أفضل.

اليمن اليوم بحاجة إلى خطاب مسؤول يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية الجامعة، لا إلى إعادة تدوير الخصومات أو اجترار خطاب التخوين.

 فالتاريخ لا يُلغى بالصخب، والرموز لا تُمحى بحملات موسمية،مُصابة بعقد النقص بل تُقيّمها الشعوب بميزان المنجز والنتيجة.

إن استحضار تجربة الزعيم الشهيد لا يعني الارتهان للماضي، بقدر ما يعني التذكير بأن الدولة القوية ممكنة، وأن الاستقرار ليس وهماً، وأن الوحدة الوطنية ليست شعاراً عابراً. 

ومن أراد إقناع اليمنيين بمشروعه، فليقدّم نموذجاً عملياً ناجحاً، لا أن يكتفي بمهاجمة سيرة وتجربة مرت بينما ما تزال آثارها وعظم انجازها حاضرة في وجدان اليمنيين.

في النهاية، ليست المشكلة في الذاكرة، بل في الخوف من المقارنة.

ومن يثق بمشروعه… لا يخشى التاريخ.