مقصلة الجباية وقرصنة الأرغفة.. تفاصيل المنهجية الحوثية لاختطاف العمل الخير في رمضان (تقرير)
مع اقتراب شهر رمضان، تتجدد آمال ملايين اليمنيين في أن يحمل هذا الموسم بعض التخفيف من وطأة الفقر والجوع، عبر المبادرات الخيرية والمشاريع الإنسانية التي اعتاد التجار والمغتربون وفاعلو الخير إطلاقها سنوياً.
غير أن هذه الآمال تصطدم، في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، بواقع مغاير تماماً، حيث يتحول الشهر الفضيل من مناسبة للتراحم والتكافل إلى موسم تشديد أمني وابتزاز منظم، تُفرغ فيه الأعمال الخيرية من مضمونها الإنساني، وتُسخَّر بالقوة والإكراه لخدمة المليشيا ومشروعها الفئوي السلالي.
ويأتي رمضان هذا العام في ظل ظروف أشد قسوة، مع تراجع أو توقف جزء كبير من مشاريع المنظمات الأممية المعنية بالغذاء والمساعدات الإنسانية، في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، ما دفع المليشيا إلى إحكام قبضتها بصورة غير مسبوقة على ما تبقى من موارد الإغاثة والعمل الخيري.
العمل الخيري تحت الوصاية القسرية
لم يعد العمل الخيري في مناطق سيطرة الحوثيين نشاطاً تطوعياً مستقلاً نابعاً من مبادرات مجتمعية خالصة، بل أصبح خاضعاً لمنظومة صارمة من التصاريح والموافقات الأمنية.
أي مبادرة رمضانية، مهما كان حجمها أو طبيعتها الإنسانية، لا يمكن تنفيذها دون المرور عبر قنوات المليشيا، التي تفرض شروطاً تعجيزية ومعقدة على القائمين عليها.
تشمل هذه الشروط: تقديم كشوف تفصيلية بأسماء المتبرعين والمستفيدين، وتحديد نوع المساعدات وكمياتها، ومكان وزمان التوزيع، إلى جانب إخضاع كل ذلك لإشراف مباشر من عناصر تابعة للمليشيا.
هذه الوصاية القسرية لا تهدف إلى التنظيم أو ضمان وصول المساعدات لمستحقيها، بقدر ما تهدف إلى التحكم الكامل في مسار العمل الخيري.
فالمبادرات الرمضانية لم تعد تُدار وفق معايير إنسانية، بل وفق اعتبارات أمنية وسياسية، تُستخدم فيها المساعدات وسيلة لإخضاع المجتمع، وإعادة إنتاج منظومة الولاءات، وتعزيز حضور المليشيا كقوة مسيطرة على أدق تفاصيل الحياة اليومية.
الابتزاز المالي وفرض النسب القسرية
من أبرز مظاهر السيطرة الحوثية على العمل الخيري فرض نسب مالية قسرية على المشاريع والمبادرات الإنسانية. تُجبر الجمعيات أو التجار أو المغتربون على اقتطاع جزء كبير من قيمة المساعدات، قد يصل في الغالب إلى نحو خمسين في المئة، تحت مسميات متعددة مثل “رسوم إشراف” أو “تكاليف تنظيم” أو “مساهمات مجتمعية”.
هذه النسب لا تمر عبر أي قنوات رسمية أو حسابات شفافة، بل تُحوَّل عمليًا إلى مصادر تمويل غير معلنة للمليشيا.
هذا الابتزاز لا يقتصر على المشاريع الكبيرة، بل يمتد إلى المبادرات الفردية الصغيرة، ما يدفع كثيرًا من فاعلي الخير إلى التراجع أو العزوف عن العمل الإنساني، أو القبول مجبرين بشروط تُفرغ جهودهم من معناها، وتحولهم إلى مجرد واجهات لعمليات توزيع تتحكم فيها المليشيا بالكامل.
فرض عناصر حوثية لإدارة التوزيع
إلى جانب الابتزاز المالي، تفرض مليشيا الحوثي عناصرها للإشراف المباشر على إدارة المشاريع والتوزيع الميداني.
في كثير من الحالات، يُمنع القائمون على المبادرات من حضور عمليات التوزيع، أو يُسمح لهم بدور شكلي فقط، بينما تتولى العناصر الحوثية تحديد قوائم المستفيدين وآلية الصرف.
هذه الممارسة تؤدي عملياً إلى إعادة توجيه المساعدات بعيداً عن الفئات الأشد احتياجاً، لتُمنح بالدرجة الأولى لعناصر المليشيا وأسرهم، أو لمن يُنظر إليهم باعتبارهم موالين... وبهذا يتحول العمل الخيري من أداة إنسانية تهدف إلى تخفيف المعاناة، إلى وسيلة مكافأة سياسية واجتماعية، تُستخدم لترسيخ النفوذ وبناء شبكة مصالح مغلقة.
منع التوزيع المستقل للتجار والمغتربين
لطالما لعب التجار والمغتربون دوراً محورياً في دعم المبادرات الرمضانية، سواءً عبر تمويل السلال الغذائية أو تنظيم حملات توزيع مباشرة تصل إلى المحتاجين دون وسطاء.. إلا أن المليشيا منعت بشكل شبه كامل أي توزيع مستقل لا يخضع لإشرافها، واعتبرت أي محاولة من هذا النوع “نشاطاً مخالفاً” يعرض القائمين عليه للمساءلة والاختطاف.
هذا المنع يضرب أحد أهم مصادر الدعم المجتمعي، ويقطع الصلة المباشرة بين المتبرع والمستفيد، بما يسمح للمليشيا بالتحكم الكامل في مسار المساعدات، واستخدامها كورقة ضغط اجتماعي وسياسي، ويحوّل العمل الخيري إلى نشاط محفوف بالمخاطر.
إغلاق ومصادرة الجمعيات والمؤسسات الخيرية
خلال السنوات الماضية، أقدمت مليشيا الحوثي على إغلاق ومصادرة عدد كبير من الجمعيات والمؤسسات الإنسانية والخيرية، خصوصاً تلك التي حاولت الحفاظ على استقلاليتها أو رفضت الخضوع لهيمنة المليشيا. فلم تكتفِ المليشيا بإيقاف نشاط هذه المؤسسات، بل قامت في كثير من الحالات بنهب محتوياتها من أموال ومخازن ومساعدات، ثم الاستيلاء على مقراتها.
وبعد ذلك، جرى إعادة تشغيل بعض هذه المؤسسات تحت إدارة حوثية مباشرة، لتعمل كواجهات تخدم المليشيا والسلالة الحوثية، في عملية مصادرة ممنهجة للعمل المؤسسي المدني، وتجفيف متعمد لأي فضاء إنساني مستقل خارج سيطرتها.
الاختطاف والملاحقة وتلفيق التهم
لم يسلم رواد العمل الإنساني والخيري من القمع المباشر، إذ تعرض عدد منهم للمطاردة والاختطاف خلال السنوات الماضية بسبب نشاطهم الإنساني. في حالات عديدة، جرى تلفيق تهم تتعلق بـ“التخابر” أو “العمل خارج الإطار الرسمي”، واستخدامها كذريعة للاختطاف أو مصادرة الأموال.
الأكثر قسوة أن بعضاً من هؤلاء الرواد كانوا مسؤولين أمام المتبرعين عن أموال خُصصت لمشاريع إنسانية، لكن المليشيا استولت عليها بالقوة، ما حمّلهم ديوناً بملايين الريالات، وأدخلهم في أزمات مالية واجتماعية خانقة، دون أي حماية قانونية أو إنصاف.
تصعيد القيود هذا العام.. ما بعد توقف المشاريع الأممية
يمثل هذا العام منعطفاً أكثر قسوة في مسار التضييق على العمل الخيري، حيث فرضت مليشيا الحوثي قيوداً إضافية على المشاريع والمبادرات وحملات توزيع المواد الغذائية التي ينفذها التجار والمغتربون وفاعلو الخير.
ويأتي هذا التصعيد في أعقاب توقف أو تراجع عدد من مشاريع المنظمات الأممية المعنية بالغذاء والمساعدات الإنسانية، والتي كانت هي الأخرى عرضة للاستغلال والنهب من قبل المليشيا.
ومع تقلص الموارد الأممية، سعت مليشيا الحوثي إلى تعويض الفجوة عبر إحكام قبضتها على المبادرات المحلية، واعتبارها المصدر المتبقي للدعم الغذائي.
هذا الواقع دفعها إلى تشديد الرقابة، ورفع سقف الابتزاز، وفرض شروط أكثر صرامة، لضمان توجيه أي مساعدات متاحة لخدمة أجندتها.
تسييس الفقر وتحويل رمضان إلى موسم تعبئة
في ظل هذه الممارسات، يتحول شهر رمضان من موسم للرحمة والتكافل إلى أداة تعبئة سياسية واجتماعية. تُستغل السلال الغذائية والوجبات الرمضانية والزكوات لتعزيز صورة المليشيا كراعٍ اجتماعي، بينما يجري في الواقع تكريس اقتصاد حرب قائم على التحكم بالجوع والفقر.
هذا التسييس الممنهج يضرب النسيج الاجتماعي، ويقوض الثقة بين المجتمع وفاعلي الخير، ويزرع شعوراً واسعاً بالظلم والإقصاء، خصوصاً لدى الفئات التي لا تنتمي إلى دوائر الولاء الحوثي، ويحول الفقر إلى أداة إخضاع بدل أن يكون قضية إنسانية تستوجب المعالجة.
إنسانية مختطفة ومستقبل غامض
يصف أحد رواد العمل الإنساني والخيري الوضع في مناطق سيطرة الحوثيين بالقول، إن “الإنسانية مختطفة”، في إشارة إلى أن ما يجري مع اقتراب رمضان ليس مجرد تجاوزات عابرة، بل سياسة ممنهجة لاختطاف العمل الإنساني وتحويله إلى أداة سيطرة وتمويل.
ويؤكد أن رواد العمل الخيري يجدون أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما الخضوع لمنظومة الوصاية والابتزاز، أو التوقف عن العمل وتحمل تبعات الملاحقة والمصادرة.
وفي ظل غياب أي ضمانات، واستمرار تراجع الدعم الدولي، يبقى المجتمع اليمني، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثي، الضحية الأولى لتسييس الفقر وتجويع الإنسانية، فيما يُفرغ شهر رمضان من روحه وقيمه، ويُحوَّل إلى موسم آخر من مواسم القمع والهيمنة.