من رُهاب الرئيس ترامب إلى "جمعة دار الرئاسة": حين تُقاس الدول بأخلاق الجراح
قبل قليل انتهيت من مطالعتي اليومية وفتحت شاشة التلفاز لمتابعة اخر الاخبار والمستجدات ،وكان اول خبر ظهر لي على الشاشة نصه(ترامب أصدرت أوامر بمحو ايران إذا أقدمت على اغتيالي!!)
فااستغربت وتعجبت وتسألت في نفسي ،هل وصل رهاب الخوف والفزع بترامب الى ان يخشى على حياته من ايران؟!
وهل ايران من القوة بحيث تستطيغ اغتيال رئيس اقوى امبراطورية بالكون؟!
نعم لقد أعلن دونالد ترامب، بلهجةٍ مشبعةٍ بذعرٍ وجودي، أنه أصدر أوامره "بمحو إيران" من الخارطة إن هي تجرأت على اغتياله.
هذا التلويح بالإبادة لا يُقرأ في سياق الردع السياسي فحسب، بل يفضح الهشاشة النفسية لرجلٍ يحكم أقوى إمبراطورية في العالم، ومع ذلك يرى أشباح الموت تطارده، فيواجه الخوف بالتهديد بحرق الجميع.
وهنا، قفزت بي الذاكرة—عنوةً ودون استئذان—إلى صنعاء، وتحديداً إلى ظهيرة تلك الجمعة الدامية من اول رجب، الرابع من يونيو 2011. يوم زُلزِل مسجد دار الرئاسة، واحترق الجسد، وتناثرت دماء قادة الدولة بين قتيلٍ وجريح.
يومها، كان الرئيس علي عبدالله صالح، مثخناً بالجراح، متفحم الملامح، يصارع الموت وسط ركام الدولة وأشلاء السلطة. ورغم أن "الزر" كان بيده، والمبرر "الشرعي" للانتقام متاحاً، وقوة الحرس الجمهوري،والقوات الخاصة قادرة على تحويل الساحات إلى مقابر جماعية بلمح البصر؛ إلا أنه—وهنا تتجلى مفارقة الكبار—لم يُطلق العنان لغضبه.
ولغريزة الانتقام.
بل على العكس، ومن وسط الألم، وجّه نجله أحمد، قائد الحرس والقوات الخاصة، بأن يكبح جماح القوة، وألا تُطلق رصاصة واحدة. قرارٌ لا يتخذه إلا من يمتلك "شجاعة الدولة" لا "نزق العصابات"؛ أن تكون قادراً على البطش فتختار الكفّ حقناً للدماء.
ولكن ماذا كان جواب الخصوم يومها؟!
في مشهدٍ جنائزي للأخلاق اليمنية ، ذُبحت الأبقار، ونُصبت الموائد، ورقص "الثوار" في ساحات الجامعة ابتهاجاً بالدم. احتفلوا على جرح الدولة، ومارسوا الشماتة في لحظةٍ كان يُفترض أن تحضر فيها الحكمة لا الطبول.
لم يُقابل العفو بعفو، ولا التعقّل بتعقّل، بل كان ذلك إعلاناً مدوياً عن انهيار القيم، وانتقال السياسة من ميدان الخصومة الشريفة إلى مسلخ الكراهية العمياء.
اليوم، ونحن نرى "زعيم العالم" يرتجف خوفاً على حياته ويهدد بإفناء الشعوب، نتذكر بأسى—لا نوستالجيا عابرة ولا تبريراً أعمى—أن الدول لا تُقاس فقط بترسانتها النووية، بل بسلوك قادتها في لحظات النزف.
وأن الرجال يُمتحنون لا حين ينتصرون وهم آمنون، بل حين يُغدرون وهم قادرون.
والله، لن تقوم لليمن قائمة، ولن يلتئم جرحنا الغائر، ما لم نمتلك شجاعة المراجعة وردّ الاعتبار للتاريخ، والاعتذار عن تلك اللحظة التي اغتالت فيها السياسة أخلاقها.
اعتذارٌ مستحق لطيب الذكر، آخر تبعٍ يمني، الملك غير المتوّج، وموحّد اليمن الكبير، علي عبدالله صالح—رحمة الله تغشاه—لا بوصفه معصوماً من الخطأ، بل بوصفه شاهداً تاريخياً على أن ضبط القوة عند الغضب، هو أعلى مراتب القوة.