تأميم الفضاء الديني والخدمي.. "الولاية الحوثية" كأداة للإخضاع وتجفيف الهوية اليمنية
تعيش العاصمة اليمنية صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الميليشيا الحوثية حالة من الاستنفار العقائدي والسياسي مع حلول ما تسميه الأخيرة "يوم الولاية"، حيث تتحول الشوارع والمؤسسات العامة إلى مسارح مفتوحة للاستعراض الأيديولوجي المستورد من أدبيات الثورة الإيرانية الخمينية.
وتأتي هذه الاحتفالات الصاخبة والمكلفة في وقت تعاني فيه البلاد من أسوأ أزمة إنسانية واقتصادية في تاريخها الحديث، حيث يرزح ملايين المواطنين تحت خط الفقر المدقع جراء انقطاع المرتبات منذ سنوات وانهيار الخدمات الأساسية وتفشي الأمراض والأوبئة.. غير أن مليشيا الحوثي تضرب بكل هذه المعاناة عرض الحائط وتوظف كل مقدرات الدولة المنهوبة وجهازها القمعي لإجبار السكان على التظاهر بالولاء والتصديق بهذه الخرافة الخمينية التي تمنح سلالة معينة حقاً إلهياً في حكم اليمنيين واستعبادهم بقوة السلاح والترهيب الفكري.
تجويع ممنهج
يمثل انقطاع رواتب الموظفين المدنيين منذ أكثر من عقد ركيزة أساسية في استراتيجية الإخضاع الحوثية، حيث تعمدت الميليشيا تجفيف المصادر المالية للمواطنين لتحويلهم إلى تابعين يعتمدون كلياً على ما يجود به المشرفون الحوثيون من مساعدات شحيحة.
وفي سياق التحضير ليوم الولاية تتحول لقمة العيش والغاز المنزلي والسلال الغذائية المقدمة من المنظمات الدولية إلى أدوات ابتزاز سياسي وعقائدي مفضوح إذ يقوم عقال الحارات والمشرفون الأمنيون بربط توزيع الغاز المنزلي أو المساعدات الإنسانية بضرورة حضور الفعاليات والندوات الطائفية التي تمجد خرافة الولاية، ويعتبر التخلف عن الحضور مبرراً كافياً لقطع هذه الخدمات عن الأسر وحرمانها من أبسط مقومات البقاء، مما يضع المواطن اليمني في مخيمات النزوح الداخلي أو المدن المحاصرة أمام خيارين كلاهما مر: إما الجوع وإما الخضوع والمشاركة في طقوس لا يؤمن بها ولا تمت لثقافته بصلة.
غسيل الأدمغة الإجباري
لم تكتف الميليشيا بربط الخدمات والرواتب بحضور الفعاليات، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر مأسسة التطييف القسري من خلال ما تُسمى بالدورات الثقافية والمراكز الصيفية، حيث يُجبر من تبقى من الموظفين في الدوائر الحكومية والشركات المختلطة على ترك أعمالهم والالتحاق بدورات مغلقة تمتد لأسابيع يُمنع فيها استخدام الهواتف المحمولة ويتم خلالها تلقين الحاضرين ملازم مؤسس المليشيا الهالك حسين الحوثي وخطب شقيقه المجرم عبد الملك التي تركز بمجملها على حتمية الولاية لآل البيت وحصر السلطة في سلالتهم، وتهدد المليشيا بشكل علني كل من يتخلف عن هذه الدورات بالفصل النهائي من الوظيفة العامة والاتهام بالخيانة والنفاق والارتزاق.. وفي موازاة ذلك تستهدف المراكز الصيفية مئات الآلاف من طلبة المدارس لتعبئتهم عقائدياً وفصلهم عن هويتهم الوطنية اليمنية لإنتاج جيل يسهل قيادته وتوجيهه نحو جبهات القتال دفاعاً عن خرافة الحق الإلهي.
الإرهاب الأمني
خلف المظاهر الاحتفالية والزينات والخرق الخضراء التي تفرضها الميليشيا في الشوارع يقبع جهاز أمني قمعي مرعب يتتبع كل من يبدي تذمراً أو سخرية من خرافة الولاية، حيث تنشر الميليشيا الآلاف من عناصر المخابرات والأمن الوقائي في المقاهي والمساجد ووسائل النقل العامة لرصد انطباعات الشارع وضبط أي صوت معارض، ولا يقتصر القمع على الرجال بل يمتد ليشمل النساء والأسر عبر فصيل الزينبيات المسلح الذي يتولى مهمة اقتحام المنازل وتنظيم المجالس النسائية الإجبارية لترسيخ الفكر الخميني في أوساط ربات البيوت والفتيات، ويتم استخدام سلاح التشهير والاختطاف ضد كل امرأة ترفض الانصياع لهذه التوجيهات مما خلق حالة من الرعب والخوف العام جعل المواطنين يفضلون الصمت أو إظهار الموافقة الشكلية حماية لأنفسهم وعائلاتهم من بطش هذه الأجهزة المليشاوية التي لا تتردد في توجيه تهم التخابر مع الخارج لكل من ينتقد طقوسها الطائفية.
تأميم الفضاء الديني
تشهد المساجد في مناطق سيطرة الحوثيين عملية تطهير واسعة النطاق شملت عزل كافة الخطباء والأئمة المعتدلين الذين يرفضون تبني الخطاب الطائفي للمليشيا واستبدالهم بآخرين جرى تأهيلهم في الحوزات والمراكز الحوثية ليكونوا أبواقاً تردد شعارات الولاية والصرخة الإيرانية، وفي الجمعة التي تسبق يوم الولاية تحول وزارة الأوقاف الحوثية منابر المساجد إلى منصات للترهيب الديني وتكفير كل من لا يؤمن بالولاية السياسية لزعيم الميليشيا، حيث يتم تصوير عدم الإيمان بالولاية كخروج عن الإسلام وبطلان للعبادات والطاعات، ويُجبر المصلون على الاستماع لخطب طويلة ومملة تتناقض كلياً مع المذاهب الفقهية التاريخية لليمنيين، مما دفع بالكثير من المواطنين إلى مقاطعة صلاة الجمعة في المساجد أو الحضور المتأخر تفادياً للاستماع لخطاب الكراهية والتفرقة السلالية الذي يمزق النسيج الاجتماعي اليمني.
الجبايات
لا تتوقف معاناة اليمنيين عند حدود القمع الفكري، بل تمتد لتشمل نهب أموالهم القليلة المتبقية لتمويل هذه الاحتفالات الباذخة، حيث تفرض الميليشيا الحوثية جباية مالية إجبارية تحت مسمى دعم المجهود الحربي أو تمويل احتفالات يوم الولاية والمولد النبوي، وتستهدف هذه الحملات التجار وأصحاب المحلات التجارية الصغيرة وحتى بائعي الرصيف والمزارعين، وتلزمهم بدفع مبالغ مالية محددة وشراء الأقمشة الخضراء وتعليقها على واجهات محلاتهم ومن يرفض الدفع يواجه عقوبات فورية تبدأ بإغلاق المحل وتصل إلى الحبس ومصادرة البضائع.
ويتساءل المواطنون بمرارة؛ كيف يمكن لمليشيا تدعي العجز عن دفع رواتب المعلمين والأطباء وتوفير الوقود لمحطات الكهرباء وتأهيل المستشفيات المنهارة أن تنفق مليارات الريالات على تزيين الشوارع وإقامة المهرجانات الخطابية وتوزيع المكافآت المالية على القيادات المشرفة على هذه الفعاليات الطائفية.
المقاومة الصامتة
على الرغم من ترسانة القمع والظهور الإعلامي الحاشد الذي تحاول الميليشيا تسويقه للخارج لإظهار حاضنتها الشعبية، إلا أن الحقيقة التي تؤكدها التقارير الحقوقية الميدانية تشير إلى وجود رفض مجتمعي عارم ومقاومة صامتة تتسع يوماً بعد آخر بين مختلف فئات الشعب اليمني، ويتجلى هذا الرفض في لجوء المواطنين إلى السخرية والنكتة السياسية عبر منصات التواصل الاجتماعي بأسماء مستعارة ومقاطعة الفعاليات الحوثية ما لم تكن هناك عقوبات صارمة أو حرمان من الخدمات.. وتدرك الميليشيا الحوثية جيداً أن هذا الحشد الإجباري هو وليد الخوف والحاجة وليس وليد الاقتناع الفكري، ولذلك تضاعف من جرعات القمع والرقابة مع كل مناسبة طائفية جديدة لليقين الكامل بأن خرافة الولاية تصطدم بجدار صلب من الوعي الجمهوري اليمني الذي يرفض عودة الحكم الإمامي الكهنوتي المتدثر بعباءة الدين والمدعوم من المشاريع التوسعية الإقليمية التي تهدف إلى مسخ الهوية العربية لليمن وتحويله إلى بؤرة للصراع الدائم.