من محراب الجامع إلى صفقات التبادل.. التخادم الحوثي الإخواني المعمد بدماء قادة الدولة
ثمة أحداث في تاريخ الأمم لا تقاس بعدد سنيها، بل بحجم الشرخ الذي تفرضه في جدار الهوية والكيان وجريمة تفجير جامع دار الرئاسة، التي توشك أن تقفل عامها الخامس عشر، ليست مجرد طعنة في خاصرة نظام سياسي، بل هي لحظة الانكسار التاريخي التي أذنت ببدء جرف الدولة اليمنية المعاصرة إلى غيابات الفوضى والملشنة.
في ذلك اليوم الثالث من يونيو الدامي 2011، لم يكن الهدف تصفية رئيس قاد البلاد بحنكة وحكمة، وعبر بها حقول الألغام لعقود، بل اغتيال الفكرة الجمهورية ذاتها، وقطع رأس الدولة الدستورية المستقرة، لتهيئة الساحة أمام مشاريع ما وراء الحدود.
لقد اختار القتلة محراب جامع دار الرئاسة، وفي يوم جمعة مبارك، ليمزقوا بعبوات حقدهم وبغضهم أجساد نخبة من أوفى رجالات اليمن التنموية والسياسية، ويصيبوا الرئيس علي عبدالله صالح وقادة دولته بجروح بقيت شواهد حية على خسة المؤامرة.
تلك الجريمة الإرهابية لم تكن وليدة فكر منفرد، بل كانت الثمرة المسمومة لتخادم تم التأسيس له في غرف التخطيط المظلمة بساحات الفوضى، حيث التقت خناجر تنظيم الإخوان المسلمين المتمثل بحزب الإصلاح، مع رغبة الثأر التاريخي الكامنة في أدبيات الكهنوت السلالي الحوثي، ليكون الهدم المشترك هو القاسم الذي يجمع المتناقضين.
ومع تبدل الفصول وانكشاف الغبار، تجلت الحقيقة الصادمة التي لطالما حاول إعلام الجماعتين المتطرفتين مواراتها خلف حجاب العداء المصطنع.
ففي منتصف أكتوبر من عام 2019، أسقطت صفقة تبادل الأسرى المشبوهة آخر ورقة توت تواري سوأة هذا التخادم، حين أقدمت مليشيا الحوثي في صنعاء على إطلاق سراح المتهمين الخمسة الرئيسيين في تفجير جامع دار الرئاسة، وتسليمهم لصناع قرار، حزب الإصلاح، مقابل مقاتلين حوثيين عقائديين، لم يكن الأمر مجرد مقايضة حرب، بل كان صك براءة متبادلاً وعربون وفاء تاريخي بين حلفاء الخفاء.
لقد جرت دماء شهداء قادة الدولة في سوق النفعية السياسية لتمييع القضاء والعدالة، في إقرار ضمني بأن الجريمة كانت عملاً مشتركاً حقق غايات الطرفين في إنهاء حقبة الاستقرار والبناء.
إن القراءة الحصيفة لهذه الذكرى الأليمة تعيد للوعي الجمعي اليمني قيمة الدولة التي فُقدت؛ تلك الدولة التي أرسى مداميكها الرئيس صالح وحفظت لليمن كرامته وأمنه وسيادته، وجعلت من مؤسساته سداً منيعاً أمام خرافة الحق الإلهي وسوداوية الولاء الحزبي العابر للأوطان. واليوم، يتأكد لكل ذي بصيرة أن الصراخ الإعلامي بين الحوثية والإخوان يذوب كالملح عند تقاطع المصالح التي تستهدف الجمهورية والوحدة، وأن المسار الوحيد لاستعادة الوطن وتطهير أروقة القضاء لن يمر عبر تحالفات ملوثة بالخيانة، بل بمواجهة وطنية صارمة تعري قوى التطرف المليشياوي بكافة أقنعته، انتصاراً لدماء الطهر التي سفكت في بيوت الله، وصوناً لمستقبل يمن حر ومستقر.