منحة كويتية في تعز تكشف أزمة الانتقاص من السيادة اليمنية وغياب الشراكة
أثار توقيع منحة بقيمة مليون دولار أمريكي لدعم التعليم الفني في محافظة تعز، دون حضور أو توقيع رسمي من الحكومة اليمنية، تساؤلات واسعة حول دور الدولة في إدارة المشاريع التنموية داخل مناطق خاضعة لسيطرتها، ودلالات تغييبها عن شراكات يفترض أن تكون وطنية بالدرجة الأولى.
وكان الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية قد وقّع اتفاقية منحة مع البنك الإسلامي للتنمية لتمويل مشروع معهد التعليم الفني والتدريب المهني في مدينة التربة بمحافظة تعز، على هامش اجتماع مؤسسات مجموعة التنسيق العربية في فيينا، دون أن تظهر الحكومة اليمنية طرفاً موقعاً أو ممثلاً رسمياً في الاتفاقية.
ورغم أن منطقة تنفيذ المشروع تقع تحت سيطرة الحكومة اليمنية، وكان يفترض أن تمر الاتفاقية عبر القنوات السيادية المعتمدة، سواء رئاسة الحكومة أو وزارة التخطيط والتعاون الدولي أو وزارة التعليم الفني والتدريب المهني، إلا أن ذلك لم يحدث، ما يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز الشكل الإجرائي إلى جوهر إدارة الدولة لملف المساعدات.
ويشير مراقبون إلى أن غياب الحكومة عن توقيع وتنفيذ مشروع تنموي بهذا الحجم لا يمكن اعتباره مجرد خلل بروتوكولي، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بضعف السيادة المؤسسية، وتراجع قدرة الدولة على فرض نفسها كشريك وطني رئيسي أمام المانحين والمؤسسات الإقليمية والدولية.
كما يعكس هذا الغياب خللاً واضحاً في إدارة ملف المساعدات، حيث تبدو الحكومة عاجزة عن تنظيم العلاقة مع المانحين أو تأطير الدعم الخارجي ضمن خطط وطنية معلنة، ما يفتح المجال أمام تنفيذ مشاريع بمعزل عن أولويات الدولة، أو خارج أطر الرقابة والمساءلة الرسمية.
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن استمرار هذا النهج يكرّس صورة الحكومة كطرف هامشي حتى في المناطق الواقعة ضمن نفوذها، ويضعف موقفها التفاوضي مستقبلاً، كما يبعث برسائل سلبية حول قدرتها على إدارة التعافي والتنمية، ويشجع المانحين على تجاوزها والتعامل المباشر مع أطراف أو قنوات بديلة.
ويحذر هؤلاء من أن تغييب الحكومة عن مشاريع تنموية في محافظات مثل تعز، التي تعاني من آثار الحرب والنزوح، لا يضر فقط بالسيادة الوطنية، بل يقوّض أيضاً فرص بناء نموذج تنموي مستدام، قائم على الشراكة المؤسسية والتخطيط الوطني، بدلاً من المبادرات المجزأة والمعزولة عن الدولة.
ويؤكد مراقبون أن استعادة الدور الحكومي في مثل هذه المشاريع لم تعد مسألة شكلية، بل ضرورة سياسية واقتصادية، إذا ما أرادت الحكومة اليمنية الحفاظ على ما تبقى من حضورها السيادي، وإعادة ضبط علاقتها مع المانحين على أساس الشراكة لا التجاوز.