اليمن.. بين ضياع البوصلة وتآكل مشروع الدولة
تشهد الساحة اليمنية في الآونة الأخيرة جملة من المستجدات والتطورات التي تثير القلق المشروع حول مستقبل الدولة اليمنية، ليس فقط بسبب استمرار الانقلاب وتداعيات الحرب، بل بفعل انحراف خطير عن جوهر المعركة الوطنية المتمثلة في استعادة الدولة وبناء مؤسساتها، لصالح معارك جانبية وصراعات تصفية حسابات سياسية ومناطقية داخلية وخارجية لا تخدم سوى مشاريع التفكك والتمزيق.
كان يفترض أن تشكل معركة استعادة الدولة مظلة جامعة لكل القوى الوطنية، وأن تُؤجَّل الخلافات الثانوية إلى ما بعد إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة.. غير أن الواقع يشير إلى العكس؛ إذ جرى الزج بالقوى المناهضة للانقلاب في صراعات داخلية، وتحوّلت البنادق والأدوات السياسية إلى وسائل ضغط متبادل، الأمر الذي أضعف الجبهة الوطنية وشتّت الجهود، وأتاح للخصوم الحقيقيين (الحوثيين) التقاط أنفاسهم وتعزيز مواقعهم.
وفي سياق هذا الانحراف، برز تغييبٌ مقصود للأحزاب السياسية، بوصفها مكونات وطنية فاعلة يفترض أن تكون شريكًا في القرار والمسؤولية، مقابل التعامل المباشر مع شخصيات محسوبة على هذه الأحزاب، خارج أطرها التنظيمية والمؤسسية. هذا النهج لا يضعف الأحزاب فحسب، بل يفرغ العمل السياسي من مضمونه، ويعزز الفردية والولاءات الشخصية على حساب العمل الوطني المنظم، ويقوض أي إمكانية لبناء دولة مؤسسات حقيقية.
وفي خضم ذلك، جرى إذكاء خطاب الطائفية والمناطقية بشكل غير مسبوق، سواءً عبر الإعلام أو الخطاب السياسي، ما أسهم في تعميق الشروخ داخل النسيج الاجتماعي اليمني. هذا الخطاب، الذي يفترض أن يكون من مخلفات الماضي، عاد اليوم بقوة ليهدد ما تبقى من الهوية الوطنية الجامعة، ويزرع الشك والكراهية بين أبناء الوطن الواحد، في لحظة تاريخية أحوج ما تكون إلى التماسك لا التناحر.
أما القضية الجنوبية، وهي قضية سياسية ووطنية ذات جذور وتعقيدات حقيقية، فقد جرى تضخيمها وتوظيفها خارج إطار المعالجة الوطنية الشاملة، بما فتح الباب أمام بروز قضايا فرعية أخرى، كالدعوة إلى استقلال حضرموت، وتصاعد مطالب الحراك التهامي، وغيرها من الطروحات التي تعكس حالة سيولة سياسية خطيرة. وبدل أن تكون هذه القضايا جزءًا من حوار وطني جامع يعالج مظالم الماضي في إطار الدولة الواحدة، تحولت إلى عناوين للتفكيك والمزايدات، تُستثمر سياسيًا وتُدار بمعزل عن أي رؤية وطنية متكاملة.
وفي قلب هذا المشهد المرتبك، يبرز أداء المجلس الرئاسي والحكومة بوصفه أحد أبرز مكامن الخلل. فقد انشغل كثير من أعضائهما بالمحاصصة، والحفاظ على النفوذ والمناصب، وتبادل التزكيات للمقربين والموالين، في مشهد يكرّس منطق الوساطات والمحسوبيات، لا منطق الدولة. وغاب الحضور الفاعل للمؤسسات الشرعية عن الداخل، وغابت معه القدرة على إدارة شؤون الدولة، أو حتى الإحساس بمعاناة المواطنين اليومية.
الأخطر من ذلك، أن إدارة كثير من ملفات الدولة الأساسية باتت تُترك بشكل شبه كامل للجانب السعودي، الذي أصبح يؤدي –علنًا– أدوارًا يفترض أن تقوم بها السلطات اليمنية، من عقد اللقاءات والاجتماعات، إلى صرف المرتبات، وإدارة بعض الملفات الخدمية والسياسية. ورغم تقدير الدور الداعم للأشقاء، إلا أن استمرار هذا الوضع يعكس حالة فراغ سيادي، ويطرح أسئلة مؤلمة حول جدوى وجود مجلس رئاسي وحكومة لا تمارس سلطتها الفعلية.
إن أي حديث جاد عن مرحلة قادمة أو حكومة جديدة، لا يمكن أن يكون امتدادًا لهذا النهج القائم على الترقيع والترضيات. فاليمن اليوم بحاجة إلى حكومة براغماتية، واقعية، تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، لا حكومة وساطات ومحسوبيات، ولا حكومة مراضاة على حساب الدولة. حكومة كفاءات وطنية حقيقية، تمتلك الحد الأدنى من النزاهة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار، وتكون خاضعة للمساءلة، وحاضرة في الداخل، وقريبة من هموم الناس.
أمام هذا الواقع، يحق لليمني أن يتساءل بمرارة: الدولة إلى أين؟ وهل ما يجري هو تعثر عابر أم مسار ممنهج يقود إلى تفكيك ما تبقى من فكرة الدولة؟ إن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق عبر صراعات جانبية، ولا عبر خطاب الكراهية، ولا من خلال سلطة منشغلة بذاتها. بل تتطلب مشروعًا وطنيًا واضحًا، وقيادة حاضرة، وإرادة سياسية تعلي مصلحة اليمن فوق كل المصالح الضيقة.
إن لم يتم تدارك هذا الانحراف سريعًا، وإعادة توجيه البوصلة نحو الهدف الحقيقي، فإن الخسارة لن تكون لطرف دون آخر، بل لليمن كله، دولةً وشعبًا ومستقبلًا.