قبضة "علي حسين الحوثي".. صراع الأجنحة يشعل فتيل الفوضى ويغرق صنعاء في الانتهاكات والجرائم
تعيش منظومة الأجهزة الأمنية الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المحافظات تحت سيطرتها حالة متفاقمة من الاضطراب واللا استقرار، في ظل الصعود المتسارع لنفوذ علي حسين بدر الدين الحوثي، نجل مؤسس المليشيا الهالك حسين بدر الدين الحوثي، والذي بات يُوصف، وفق مصادر أمنية ومحلية، بأنه المتحكم الفعلي بمسار القرارات والتوجهات داخل وزارة الداخلية وجهاز الأمن والمخابرات، بعيدًا عن أي أطر مؤسسية معلنة.
وبحسب مصادر أمنية في صنعاء، فإن هذا التحول جاء نتيجة فراغ قيادي واضح أعقب الغياب الطويل وغير المفسر لعمه عبدالكريم أمير الدين الحوثي، وزير الداخلية في حكومة الانقلاب الحوثي غير المعترف بها دوليًا، وهو ما أفضى إلى تركّز القرار الأمني بيد نجل مؤسس المليشيا، وتراجع دور المؤسسات الرسمية إلى مجرد واجهات شكلية بلا صلاحيات حقيقية.
فوضى مؤسسية داخل المنظومة الأمنية
وتؤكد المصادر أن منظومة الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية وجهاز الأمن والمخابرات، تعيش حالة واضحة من اللا قرار المؤسسي، نتيجة ازدواجية القرار وتعدد مراكز النفوذ، حيث لم تعد الأوامر والتعليمات تصدر عبر القنوات الإدارية المعروفة، بل من خلال توجيهات مباشرة واتصالات فردية مرتبطة بعلي حسين الحوثي.
وبحسب المصادر، فقد أوجد هذا الواقع حالة من الارتباك داخل الأجهزة، وانعكس سلبًا على الأداء الأمني، وأدى إلى تضارب التعليمات بين القيادات والميدان، فضلًا عن تصاعد مشاعر الخوف والشك داخل صفوف المشرفين والعناصر الحوثية أنفسهم.
وتشير المصادر إلى صدور توجيهات حوثية عليا صارمة تقضي بعدم الإفصاح أو الحديث عن حالة الازدواجية وشبه الفوضى داخل الجهاز الأمني، في مسعى لاحتواء آثار الصراع الداخلي ومنع تسرب تفاصيله إلى الرأي العام، رغم اتساع نطاق تأثيره على القيادات والأفراد المنتسبين للأجهزة الأمنية.
قبضة فردية خارج الهياكل الرسمية
تفيد المعلومات بأن علي حسين الحوثي بات يمارس سيطرة شاملة على مجمل القرارات الأمنية، بما في ذلك التعيينات والإقالات وإدارة الحملات الأمنية، دون المرور بالتسلسل الإداري أو المؤسسي المعروف داخل وزارة الداخلية.
ويرى مراقبون، أن هذا النمط من الإدارة يمثل تحولًا خطيرًا في بنية المليشيا، حيث جرى تهميش المؤسسات لصالح القرار الفردي، وتحويل الأجهزة الأمنية إلى أدوات تخضع للولاء الشخصي بدلًا من الانضباط التنظيمي، الأمر الذي ضاعف من حجم التجاوزات والانتهاكات الأمنية بحق المواطنين في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي.
قيادات أمنية تلوذ بالمنازل خوفًا من التعسف
ووفق مصادر خاصة في صنعاء لوكالة خبر، فقد أدت حالة الازدواجية والقرارات الفردية التي يتخذها علي حسين الحوثي داخل وزارة الداخلية وكافة مكونات الجهاز الأمني إلى اتخاذ عدد من القيادات الأمنية قرارًا بالبقاء في منازلهم، سواءً في العاصمة صنعاء أو في محافظات أخرى خاضعة لسيطرة المليشيا.
وذكرت المصادر، أن هذه القيادات بررت موقفها بسببين رئيسين، أولهما أن القرار والأداء الأمني لم يعد مرتبطًا بالأطر الإدارية الرسمية داخل وزارة الداخلية، بل بات يُدار بطريقة فردية عبر اتصالات مباشرة وتوجيهات شفوية تصدر من علي حسين الحوثي، ما أفقد المناصب الأمنية معناها التنفيذي والمؤسسي.
أما السبب الثاني، فيتمثل في الخوف من التعرض للتعسف أو الاتهام بالتخابر أو التواطؤ أو التقصير، وهي تهم باتت تُستخدم، وفق المصادر، كأدوات جاهزة للإقصاء والاعتقال، خصوصًا من قبل الدائرة الأمنية الخاصة المرتبطة بعلي حسين الحوثي.
وتؤكد المصادر أن معظم تلك القيادات الأمنية التي اختارت الابتعاد عن مواقعها لا تنتمي إلى أسرة السلالة الحوثية أو ما يُطلق عليه داخل الجماعة مسمى آل البيت، ما جعلها أكثر عرضة للشك والاستهداف في ظل مناخ أمني قائم على الفرز السلالي والولاء الشخصي.
اعتقالات داخلية وإقصاء ممنهج
وبحسب مصادر أمنية، قاد علي حسين الحوثي خلال الأشهر الماضية حملات اعتقال وإقصاء واسعة طالت مشرفين وقيادات أمنية حوثية، بعضهم من الصفين الأول والثاني داخل المليشيا، بذريعة الاشتباه بعدم الولاء أو وجود اختراقات، أو ما تصفه المليشيا بالتقصير الأمني.
وتشير المصادر إلى أن هذه الإجراءات أسهمت في تعميق حالة الشك والخوف داخل المنظومة الأمنية، وحوّلت الجهاز الأمني الحوثي إلى ساحة صراع داخلي، حيث بات أي اختلاف في الرأي أو النفوذ يُنظر إليه بوصفه تهديدًا أمنيًا محتملًا.
سجون سرية وانتهاكات جسيمة
في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حقوقية ومحلية عن توسع ملحوظ في إنشاء مرافق احتجاز جديدة غير معلنة، توصف بأنها سجون سرية مستحدثة، لا تخضع لأي رقابة قضائية أو إدارية، وتدار من قبل تشكيلات أمنية مرتبطة مباشرة بعلي حسين الحوثي.
وبحسب هذه المصادر، فقد شهدت هذه المرافق انتهاكات جسيمة بحق المحتجزين، شملت الاختطاف، والإخفاء القسري، وسوء المعاملة، في ظل غياب كامل لأي آليات للمساءلة أو الرقابة.
كما تتداول أوساط محلية وحقوقية اتهامات بالغة الخطورة تتعلق باختطاف واغتصاب فتيات في قضايا ملفقة، ووقوع انتهاكات جسدية داخل أماكن الاحتجاز، في ظل تعتيم أمني شديد يمنع التحقق المستقل، غير أن تكرار الشهادات وتطابقها يثير قلقًا متزايدًا لدى ناشطين وحقوقيين.
كيان مسلح موازٍ وولاء شخصي
بعد أن تصدر اسم علي حسين الحوثي واجهة المشهد في صنعاء، عقب منحه مهام أمنية عليا وتعيينه على رأس جهاز مستحدث يعرف باسم استخبارات الشرطة، كشفت مصادر أمنية في صنعاء عن وجود كيان مسلح خاص يتبع علي حسين الحوثي شخصيًا، يعمل خارج الأطر الرسمية لوزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، ويُستخدم في تنفيذ مهام خاصة تشمل المداهمات والاختطافات وفرض النفوذ.
ووصف مصدر أمني خاص هذا التشكيل بأنه (شلة صيع) في إشارة إلى طبيعته غير النظامية واعتماده على الولاء الشخصي لا على الانضباط المؤسسي، محذرًا من أن استمرار وجود مثل هذه التشكيلات يهدد بتقويض ما تبقى من بنية الأجهزة الأمنية.
دوافع انتقامية وهاجس مقتل مؤسس الجماعة
وترجح مصادر داخل مليشيات الحوثي أن جانبًا كبيرًا من السلوك الأمني لعلي حسين الحوثي تحكمه دوافع شخصية وانتقامية مرتبطة بمصرع والده حسين بدر الدين الحوثي عام 2004، حيث تشير إلى أنه يتعامل مع طيف واسع من القيادات والمشرفين الحوثيين والقيادات الأمنية في صنعاء بعقلية الاتهام الدائم، ويشتبه بمسؤولية أطراف متعددة عن مصرع والده.
وبحسب هذه الروايات، فإن هذا الهاجس تحول إلى نهج أمني قائم على الشك والتصفية، تُستخدم فيه الأجهزة الأمنية لتصفية الخصوم الحقيقيين والمفترضين، سواءً من داخل المليشيا أو خارجها.
صراع أجنحة وتداعيات خطيرة
يرى محللون أن ما يجري داخل الأجهزة الأمنية الحوثية يعكس صراع أجنحة محتدماً بلغ مرحلة تهدد بتفكيك المنظومة الأمنية الحوثية من الداخل، في وقت يدفع فيه المدنيون الثمن الأكبر من خلال تصاعد الانتهاكات وتراجع الشعور بالأمان.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من الانفلات الأمني، واتساع دائرة القمع، وتحول الأجهزة إلى أدوات شخصية، بما ينذر بتداعيات خطيرة على النسيج الاجتماعي وأمن وسلامة المدنيين، مؤكدين أن هذا هو الوجه الحقيقي لأي مليشيا مسلحة، مهما حاولت إظهار نفسها ضمن إطار مؤسسي شكلي.
صمت حوثي رسمي يؤكد حقيقة الأمر
ورغم تفاقم هذه التطورات المختلة داخل الجهاز الأمني، تواصل مليشيات الحوثي الصمت إزاء التساؤلات المتعلقة بدور علي حسين الحوثي، وغياب وزير الداخلية، وحقيقة ما يجري داخل الأجهزة الأمنية الحوثية وهو ما يعزز القناعة بوجود إدارة أمنية موازية تعمل بعيدًا عن أي معايير قانونية أو مؤسسية.
خلاصة المشهد
وفق المعطيات المتقاطعة، فإنه من المؤكد أن علي حسين الحوثي بات يمسك فعليًا بمفاصل القرار الأمني في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي، في ظل حالة من الازدواجية والفوضى والصراع الداخلي، وسط انتهاكات جسيمة وتغول غير مسبوق للنفوذ الشخصي على حساب المؤسسات، وهو واقع ينذر بمزيد من التدهور الأمني والحقوقي، ويدفع ثمنه المدنيون في مناطق سيطرة المليشيا قبل غيرهم.