21 سبتمبر.. يوم أسقطت فيه مليشيا الحوثي الدولة وفتحت أبواب الجحيم على اليمن

في 21 سبتمبر 2014، أسقطت مليشيا الحوثي العاصمة صنعاء تحت سطوة السلاح، واقتحمت مؤسسات الدولة ومعسكراتها ومقارها الأمنية والعسكرية، في انقلاب مسلح أنهى عملياً مرحلة الانتقال السياسي، وفتح أبواب اليمن على حرب طويلة وانهيار واسع لمؤسسات الدولة والاقتصاد والخدمات، ولا تزال البلاد تدفع ثمنه حتى اليوم.

لم يكن سقوط صنعاء حدثاً عسكرياً عابراً، بل كان بداية لمشروع حوثي استهدف الدولة ومؤسساتها، وأخضع العاصمة لمنطق القوة، قبل أن تمتد المليشيا إلى محافظات ومناطق جديدة، وتفرض واقعاً مسلحاً على ملايين اليمنيين، وتدفع البلاد تدريجياً نحو واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وفي الوقت الذي تحاول فيه مليشيا الحوثي تقديم 21 سبتمبر باعتباره مناسبة للاحتفاء، يستعيد اليمنيون في المقابل ما جرى منذ ذلك اليوم من قتل وتهجير وانهيار اقتصادي وتفكيك لمؤسسات الدولة، بعد أن تحولت صنعاء إلى مركز لسلطة المليشيا ومشروعها القائم على القوة والقمع والتعبئة المسلحة.

من إسقاط صنعاء إلى إشعال الحرب

لم تتوقف جريمة الانقلاب عند السيطرة على العاصمة، إذ سرعان ما توسعت مليشيا الحوثي عسكرياً نحو المحافظات، وانهارت الترتيبات السياسية التي كان اليمنيون يعولون عليها للانتقال إلى دولة مدنية مستقرة. ومع حلول عام 2015، كانت البلاد قد دخلت مرحلة جديدة من الحرب المفتوحة، بعدما اتسعت رقعة المواجهات وتهاوت مؤسسات الدولة أمام تمدد المليشيا.

ومنذ ذلك الحين، تحولت حياة ملايين اليمنيين إلى سلسلة متواصلة من المآسي؛ مدن دمرتها الحرب، وأسر فقدت أبناءها، وملايين اضطروا إلى النزوح، فيما تراجعت الخدمات الأساسية وتهاوى الاقتصاد وتعمقت مستويات الفقر والجوع.

ويقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحرب في اليمن خلفت مئات الآلاف من الوفيات المباشرة وغير المباشرة، كما ألحقت خسائر هائلة بالتنمية والخدمات ودفعت مؤشرات التنمية البشرية إلى الوراء لأكثر من عقدين.

وبحسب تقديرات البرنامج، تسبب الصراع حتى نهاية عام 2021 في نحو 377 ألف وفاة مرتبطة بالحرب، بينها وفيات مباشرة نتيجة القتال وأخرى غير مباشرة بسبب الجوع والمرض وانهيار الخدمات، في واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في العالم المعاصر.

ولم يكن النزوح أقل قسوة من الموت؛ فقد أجبرت الحرب أكثر من أربعة ملايين يمني على مغادرة منازلهم، ولا يزال أكثر من ثلاثة ملايين منهم يعيشون كنازحين داخل البلاد، بعدما اقتلعت الحرب عائلات بأكملها من مناطقها وحولت ملايين اليمنيين إلى ضحايا دائمين للصراع.

اقتصاد اليمن.. ضحية أخرى للانقلاب

اقتصادياً، كان الانقلاب الحوثي نقطة تحول كارثية دفعت الاقتصاد اليمني إلى واحدة من أسوأ مراحله، بعدما تعرضت مؤسسات الدولة ومواردها للانقسام، وتراجعت الإيرادات، وتعطلت قطاعات الإنتاج، وتآكلت قيمة العملة، وتراجعت قدرة الدولة على دفع الرواتب وتوفير الخدمات.

وأدى استمرار الحرب والانقسام المؤسسي إلى تمزيق السوق اليمنية وتحويل الاقتصاد إلى اقتصادين متوازيين، لكل منهما مؤسساته النقدية وأسعاره وسعر صرفه، فيما تحمل المواطنون تبعات الانهيار من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والدواء وتراجع القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.

ولم تكتفِ مليشيا الحوثي بإسقاط مؤسسات الدولة، بل حولت موارد ومقدرات المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى أدوات لتمويل مشروعها العسكري وتعزيز قبضتها، في الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية ويكافح ملايين اليمنيين لتوفير أبسط متطلبات الحياة.

21 سبتمبر.. بداية كارثة لم تنتهِ

بعد اثني عشر عاماً، لا يمكن فصل المشهد اليمني الراهن عن ذلك اليوم الذي سقطت فيه صنعاء بيد مليشيا مسلحة. فكلما امتدت الحرب، اتسعت فاتورة الانقلاب، وكلما انهارت مؤسسة من مؤسسات الدولة، ظهرت آثار ذلك اليوم بصورة جديدة في حياة اليمنيين.

نازحون بعيدون عن منازلهم، أسر فقدت أبناءها، موظفون حُرموا من رواتبهم، أطفال حُرموا من التعليم، مستشفيات ومدارس ومنشآت مدمرة، واقتصاد يرزح تحت وطأة الانقسام، كلها صور لبلد دفع ثمناً باهظاً منذ أن اختارت مليشيا الحوثي السلاح طريقاً للوصول إلى السلطة وفرض مشروعها على اليمنيين.

والأخطر من ذلك أن آثار الانقلاب لم تتوقف عند تدمير مؤسسات الدولة والاقتصاد، بل امتدت إلى المجتمع نفسه، بعدما غذت المليشيا خطاباً طائفياً ومناطقياً، ووسعت عمليات التجنيد والتعبئة، وزجت بآلاف اليمنيين في جبهات القتال، فيما تعرض معارضوها للاعتقال والإخفاء والقمع.

يومٌ لا يحتفل به اليمنيون

وبعد اثني عشر عاماً، تحاول مليشيا الحوثي تحويل 21 سبتمبر إلى مناسبة احتفالية، لكن ما خلفه ذلك اليوم يجعل من الصعب اختزاله في الشعارات التي ترفعها المليشيا في مناطق سيطرتها.

فبالنسبة إلى ملايين اليمنيين، يرتبط 21 سبتمبر بسقوط العاصمة، وانهيار الدولة، وانطلاق الحرب، واتساع دائرة الفقر والنزوح، وتراجع الخدمات، وفقدان آلاف الأرواح، وتمزيق مؤسسات البلاد.

إنها ذكرى يوم استُخدم فيه السلاح لإسقاط الدولة، ثم تحولت نتائجه إلى حرب مفتوحة دفع اليمنيون وحدهم كلفتها من دمائهم وأرزاقهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.

وبعد اثني عشر عاماً، لا تزال صنعاء تحت قبضة مليشيا الحوثي، ولا يزال اليمنيون يبحثون عن استعادة دولتهم ومؤسساتهم وإنهاء الانقلاب، في معركة لم تعد معركة سلطة فحسب، بل معركة استعادة دولة اختطفتها مليشيا مسلحة وأغرقت البلاد في واحدة من أطول وأقسى أزماتها في التاريخ الحديث.