الوحدة اليمنية.. المنجز التاريخي الأبرز عربياً خلال القرن الماضي
يعتبر تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو للعام 1990، المنجز التاريخي اليمني والعربي الأبرز خلال القرن الماضي، بعد أن مر في طريق شاق، لم يواجه اليمنيون في تحقيقه طيفاً بعينه بقدر ما واجهوا مشاريع دولية وعالمية، لكل منها أطماعها في تراب هذا الوطن وهويته وجغرافيته.. إلا أن إرادة اليمنيين الذين طوعوا الطبيعة بجبالها وسهولها، وصنعوا منها حضارة ضاربة، ليس عسيراً على أن تجعل إرادتهم من الحلم حقيقة حيّة.
مر اليمن، بجغرافيته وإنسانه في مراحل هي الأكثر صعوبة وتعقيداً، تكالبت عليه الظروف وامطرته الغزوات بأطماع غزاتها، ومشاريع البحث عن مواطئ اقدام ونفوذ، ولأنه الإنسان الذي قهر الطبيعة، كان له أن يقهر هذه المشاريع ولو بعد حين.
فبينما رزحت عدن والمحافظات اليمنية الجنوبية تحت الاحتلال البريطاني خلال الفترة 19 يناير 1839م وحتى جلاء آخر مستعمر في 30 نوفمبر 1967م، (بعد 128 عاماً من الاحتلال)، كان الاحتلال العثماني يبسط نفوذه الاحتلالية على أجزاء من اليمن، لا سيما الساحلية الغربية في المخا وزبيد خلال الفترة 1849 وحتى 1911م، بعكس حالة اللا استقرار بالنسبة له في المرتفعات الشمالية، التي كان يقوضها الأئمة الملكيون لا سيما خلال الفترة ( 1869 - 1948)م، حتى إنها أسست مملكتهم المزعومة "المملكة المتوكلية"، وتحديدا خلال الفترة (1948 - 1904)م، قبل أن تسود حالة التناحر بين الأئمة أنفسهم، والإطاحة بجميعهم فجر ثورة 26 سبتمبر 1962م إلى أن عادوا في 21 سبتمبر 2014م، بدعم إيراني عسكري واقتصادي ولوجستي.
وخلال هذه المراحل التاريخية، ومثلها الكثير من الأحداث الصعبة التي فرضها طامعون كُثر، لم تخمد نيران الحروب بين الطامعين أنفسهم من جهة، ومن أخرى بينهم والحركات الشعبية المناهضة في مختلف تلك المناطق، وهو ما كبدهم خسائر بشرية فادحة، لا يزال البريطانيون والأتراك والاماميون ككل يئنون منها حتى اللحظة، ولذلك اجمعوا بمعية دول توسعية عالمية واخرى عربية على فرض حالة الانقسام، ونجحت بذلك لما تمتلك من قوة عسكرية واقتصادية، إلى أن صحت جميعها على خبر اليمن الواحد في 22 مايو من العام 1990م.
تقول المراجع التاريخية، إن المشاريع الاستعمارية فشلت في تجزئة روح الانتماء إلى الوطن الواحد، حيث خاض اليمنيون شراكة مباشرة وغير مباشرة في ثورتي 26 سبتمبر 1962، و14 اكتوبر 1963، ومع ان هاتين الثورتين اطاحتا بالنظام الامامي البائد شمالا، والاستعمار البريطاني جنوبا، إلا أن الاطماع والمصالح الدولية في هذا البلد حالت دون التئام جراحه، وكان من الصعب على لبلد خرج من سلسلة حروب أن يستقر.
ليس هذا فحسب، بل إن تلك القوى استمرت في توجيه ضرباتها ضد النظام الجمهوري شمال اليمن وجنوبه، ففي شماله دعمت الملكيين في إعادة ترتيب اوراقهم وشن هجوم على العاصمة صنعاء، وخوض معركة حصار صنعاء لسبعين يوماً (28 نوفمبر 1967 إلى 7 فبراير 1968م)، في أشهر المعارك التي خاضها الجمهوريون ضد الملكيين، بعد سقوط جبهة شرق نهم، والتي كانت قد شهدت معارك متواصلة منذ قيام ثورة 26 سبتمبر. ومثلما مرت صنعاء بظروف عصيبة كان ذلك من نصيب عدن.
الحرب الباردة التي اندلعت في العام 1947 بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي (سابقاً)، وحلفائهما، هي الاخرى غيرت خارطة العالم وتحالفاته السياسية والعسكرية، خصوصا ومنطقة الشرق الأوسط بالنسبة للمعسكرين هدف أساسي لموقعه الجغرافي الاستراتيجي على الممرات البحرية العالمية، وجزره التي كانت تمثل أهمية عسكرية عظمى لهذه الدول، وكان من حظ جنوب اليمن أن وقع في شرك هذا المعسكر مثلما وقع شماله في شرك استمرار الصراع المسلح مع الملكيين لسنوات بدعم من المملكة العربية السعودية إلى أن سقطت آخر اوراقهم في فشل معركة حصار صنعاء في فبراير 1968م.
ومع كل ذلك، لم تهنأ قوى النفوذ الدولية إلا باستمرار تغذية الصراع وحالة الانقسامات بين الطرف الواحد في البلد الواحد والشعب الواحد داخل اليمن، حينما وجدت اليمنيين رغم الصراع الذي تفرض عليهم قوى النفوذ العالمية، إلا أنهم يبحثون ويتشاورون فيما بينهم على صيغة اعلان دولتهم الواحدة، ورغم الاحتراب المتجدد أيضا بين الفينة والاخرى، إلى ان توجوا هذا النضال بإعلان الوحدة في 22 مايو 1990م.
وكان اعلان الوحدة اليمنية، في مثل هذا الظرف العصيب، ليس في اليمن فحسب، بل والمنطقة العربية ككل، لا سيما واطماع المعسكرين الشرقي والغربي في الشرق الأوسط لم تتوقف عند ايجاد موطئ قدم في بلدان المنطقة العربية فقط، بقدر ما دفعت باسرائيل إلى واجهة هذا الصراع التوسعي، وخلطت الكثير من الأوراق في حروب عدة ضد سوريا ومصر، ولذلك خلق اعلان الوحدة اليمنية املا عظيما لدى الرؤساء والزعماء العرب بتمخض وحدة عربية شاملة.
رؤساء قالوا في الوحدة اليمنية
وصبيحة اعلان الوحدة اليمنية، قال رؤساء ودبلوماسيون عرب واجانب، في هذا المنجز ما يستحقه، مؤكدين على انه تتويج لنضالات شعب، وطريق إلى وحدة عربية شاملة.
قال الرئيس السوداني عمر البشير: (لقد جاءت هذه الخطوة المباركة متزامنة مع الجهود المبذولة من كل الساهرين على مصلحة الأمة العربية والساعين لوحدتها ووقوفها صفا واحدا في وجه أعدائها المتربصين بها)، في حين ينظر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، إلى ان (الوحدة اليمنية تعني إعادة اللحمة واللحمة اليمنية هدية لأطفال الحجارة وللأمة العربية).
وعلق الرئيس المصري حسني مبارك، قائلاً: (الوحدة اليمنية بادرة وحدوية بناءة على الساحة العربية ستسهم في دعم التضامن والترابط العربي بما يكفل الخير لكافة شعوب امتنا العربية المجيدة)، بينما اعتبرها الرئيس السوري حافظ الأسد: (الوحدة اليمنية إنجازا قوميا في الزمن الصعب).
فيما اعتبرها الشيخ زايد بن سلطان، رئيس دولة الامارات، (الوحدة اليمنية تمثل دعما للاستقرار في المنطقة وإضافة إلى رصيد القوة العربية على امتداد العالم العربي وبداية مرحلة جديدة لتضامن عربي ووحدة عربية نحن في أمس الحاجة إليها)، بينما قال الرئيس الليبي معمر القذافي إن (الوحدة اليمنية هي الحدث الايجابي الوحيد في التاريخ العربي المعاصر).
إلى ذلك، قال الرئيس الكويتي جابر الاحمد الصباح، عن المنجز إن (الوحدة اليمنية كللت بفضل من الله تعالى بالنجاح وسوف يتذكرها بالفخر والاعتزاز أبناء اليمن وأشقاؤهم العرب في الوطن العربي الكبير)، بينما رحبت جمهورية ألمانيا، معتبرة أنها (ستكون طريقنا لإعادة وحدتنا بابتهاج عظيم)، وفق ما أكده الرئيس الالماني رشاد فون فايتسكر، في إشارة صريحة إلى أنها باتت منارة تهتدي بها الشعوب نحو تطلعاتها.
ويرى مراقبون، أن محاولة المشاريع الفئوية، حرف مسار بوصلة الوحدة اليمنية لهو ناتج عن غياب الوعي الوطني الفاعل، فالوحدة اليمنية في ظل سباق قوى النفوذ والاطماع العالمية الجديدة التي زرعت لها اذرعا في المنطقة والداخل أيضا، ليست مسؤولة عن خرافات العقل الاستعماري وتأويلات الاذرع الصناعية، فالحرب الباردة لسبعينيات القرن الماضي عادت مجددا ولكنها بأقنعة جديدة تتماهى مع طبيعة الحداثة.
واكد مراقبون ان الشعب اليمني سيدمر جميع المؤامرات التي تسعى إلى استهداف وحدته وأمنه واستقراره، ولن يسمح بعد عقود من النضال والتضحية بالعودة إلى الخلف، مشيرين إلى أن الشواهد كثيرة على انهائهم مشاريع سابقة مشابهة.
واعتبروا صمود الشعب اليمني في وجه المشاريع الخارجية التمزيقية واجبا، لتفويت الفرصة على الطامعين الذين لم يتركوا اليمن وشأنه منذ قرون مضت، ولن يسمحوا له بذلك حاضرا ومستقبلا ما لم ينظر اليمنيون إلى مصيرهم المحتوم بجدية ويقطعوا دابر الفتنة من جذورها.