"رفع الدعم" يهدد لبنان بالشلل.. وتحذير من سيناريو أسود

يقف لبنان اليوم على حافة بركان من غضب شعبي، قد ينفجر في أي لحظة، بل أنه بدأ ينفث دخانه بالفعل في الشارع مع موجات احتجاجات شعبية عارمة عمت، الأربعاء والخميس، كافة المدن والمناطق اللبنانية، وقطعت الطرقات الرئيسية ولاسيما تلك المؤدية إلى العاصمة بيروت، بعد قرار مصرف لبنان بشأن رفع الدعم عن المحروقات بشكل كامل، لما يمثله هذا القرار من كارثة على أحوال اللبنانيين وحياتهم.

عدد كبير من اللبنانيين باتوا ليلتهم أمام محطات الوقود ينتظرون في طوابير طويلة فتح المحطات أبوابها، للتزود بآخر ما تبقى من وقود متاح أمامهم بحسب التسعيرة القديمة، إذ لن يكون بإمكان الغالبية منهم ملء خزاناتهم وسياراتهم مرة أخرى، في حال تطبيق التسعيرة الجديدة، التي ستضاعف السعر نحو 4 مرات ونصف.

وبحسب دراسة أصدرتها "الدولية للمعلومات" مساء الأربعاء، سيقفز سعر صفيحة البنزين من نحو 77 ألف ليرة لبنانية إلى 336 ألف ليرة، كذلك مادة المازوت التي سيصبح سعر صفيحتها 278 ألف ليرة، بعدما كانت نحو57 ألفاً، حيث بات تسعيرها يلحق بسعر صرف الدولار في السوق، الذي يبلغ اليوم 20500 ليرة لبنانية للدولار الواحد.

وتوضح هذه الأرقام، إذا ما جرى مقارنتها مع الحد الأدنى للأجور، البالغ 675 ألف ليرة، حجم الكارثة، إذ بات راتب بالحد الأدنى يوازي سعر صفيحتي بنزين لا أكثر، والحال ليست أفضل بالنسبة للموظفين في القطاع العام، حيث يتراوح متوسط الأجور بين مليون ونصف ومليونين ونصف ليرة، حسب الفئات، فيما الواقع نفسه ينطبق على القطاعات الخاصة ورواتبه المصروفة بالليرة.

جدل سياسي

القرار الذي اتخذه حاكم مصرف لبنان، عقب اجتماع مجلس الدفاع الأعلى بالأمس في بعبدا، أثار جدلاً سياسياً وتراشق بيانات بين رئاستي الجمهورية والحكومة من جهة، والمصرف من جهة أخرى، إذ اعتبر كل من رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال، أن قرار حاكم المصرف رياض سلامة اتخذ بشكل فجائي دون العودة إلى الحكومة، وبما يخالف قرار الحكومة بالرفع التدريجي للدعم المترافق مع إصدار البطاقة التموينية التي تؤمن دعماً مباشراً للمواطنين في حاجاتهم الرئيسية.

وفي المقابل رد حاكم مصرف لبنان على تلك الاتهامات بأن احتياطات المصرف من العملات الصعبة وصلت إلى حد المس بالاحتياطي الإلزامي (15 مليار دولار من أموال المودعين في المصارف اللبنانية) في حين لا يؤدي الدعم الغرض منه بتخفيف الأعباء عن المواطنين وتوفير المحروقات في السوق، إذ لا تزال المواد منقطعة وعرضة للاحتكار والتهريب والتخزين، لاسيما الأدوية ومادتي المازوت والبنزين.

وخلص الجدال إلى تقرير اجتماع في القصر الجمهوري ببعبدا، حضره وزير المال غازي وزني، ووزير الطاقة والمياه ريمون غجر، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لمناقشة القرار وآثاره الكارثية، انتهى دون تراجع سلامة عن قراره، إذ أصر بحسب ما أوردت وكالة "رويترز"، على سن قانون في مجلس النواب، يسمح له باستخدام الاحتياطي الإلزامي، لاستمرار تغطية دعم المحروقات، تماشياً مع رغبة عون والسلطة السياسية. ومن دون ذلك، سيستمر بتطبيق قرار رفع الدعم عن المحروقات.

وعقب اجتماع طارئ في السراي، قررت الحكومة تحميل الحاكم والمجلس المركزي مسؤولية القرار وتوقيته، سيما وأن المصرف يتحمّل ما آلت إليه سياسته المالية والنقدية، والاستمرار في سياسة الدعم وترشيده وتحميل الجهات الرقابية والأمنية المسؤولية لإيصال الدعم إلى المواطن. إضافة إلى إلزام الشركات والمحطات العاملة في قطاع النفط بجدول الأسعار الرسمي المعتمد، على أن يتولى وزير الطاقة وضع خطة لزيادة تغذية التيار الكهربائي حتى نهاية 2021 وتقديم مشروع قانون لمجلس النواب لتأمين التمويل لهذه الخطة.

فوضى عارمة تهدد البلاد

هذا التضارب في القرارات أدى إلى فوضى كبيرة في الأسواق، انعكست اقفالاً في عدد كبير من المحطات، وطوابير بنزين ضخمة ظهرت في المحافظات اللبنانية، مما أنعش السوق السوداء للمحروقات وزاد من حدة الاحتكار والمضاربات فيها.

ويحذر أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت، والمشرف على "مرصد الأزمة"، ناصر ياسين، أن هذه الفوضى ستصل بالبلد إلى سيناريوهات مخيفة، إذ ستضطر الشركات الموزعة للمحروقات إلى إقفال أبوابها ووقف التوزيع من قبل المحطات، لعدم معرفتها بالسعر البيع، وبالتالي سنكون أمام مشكلة انقطاع جديد للمحروقات، وما ينتج عنه من خطورة توقف لكل القطاعات الحيوية، وهو ما سبق أن شهدناه خلال الشهرين الماضيين على مراحل متقطعة.

ويرى ياسين أن حاكم مصرف لبنان، يحاول عبر خطوته تلك "حماية نفسه" بقانون صادر عن السلطة التشريعية للتصرف بجزء مما تبقى من احتياط بالعملات الصعبة، وذلك تفادياً لأي مساءلة قادمة في شأن استخدام هذه الأموال بطريقة غير مدروسة، ويرمي المسؤولية في هذا السياق على عاتق مجلس النواب مع ما قد يخلقه من ارتدادات شعبية.

ومن جهته يؤكد الباحث في "الدولية للمعلومات"، محمد شمس الدين، أن مصرف لبنان لديه استقلالية مالية وإدارية لكنه يتخذ قراراته الاقتصادية بالتنسيق مع الحكومة، ولكن في مجمل الأحوال "الأموال التي كانت لدى مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، سواء 30 أو 40 مليارا، لم تكن أموال الدولة اللبنانية، ولا أموال مصرف لبنان، بل كانت أموال المودعين في المصارف التي أودعتها بدورها لدى مصرف لبنان، مما يعني أن أصل الدعم الذي بدأ منذ عام 2019 كان يمول من ودائع اللبنانيين.

واليوم تم صرف نحو 15 مليارا من هذه الأموال، ووصلنا إلى الاحتياط الإلزامي الذي يمثل 14% من الودائع بالعملة الأجنبية، وفق شمس الدين الذي يشير إلى أن  "تحديد هذه النسبة (14%) لم يتم عبر قانون أو مرسوم وإنما بقرار من المجلس المركزي لمصرف لبنان، أي الحاكم رياض سلامة ونوابه ومدير عام وزارة المالية ومدير عام وزارة الاقتصاد، وبالتالي يمكن لهذا المجلس اليوم الاجتماع واتخاذ قرار بتخفيض نسبة الاحتياطي الإلزامي إلى 10% مثلاً ويصبح بالإمكان التصرف بنسبة من الأموال، مع الذكير أن هذه الأموال تعود للبنانيين المودعين بغض النظر عن نسبتها المتبقية."

آثار كارثية

ليس من المبالغة القول إن ارتفاع سعر الكلفة سينعكس على كل شيء في البلاد، بحسب ياسين، "من أصغر التفاصيل إلى أكبرها ستتأثر، لاسيما مع فوضى التسعير القائمة في السوق، التي لا يبدو أنها ستتنظم مع رفع أسعار المحروقات، بل ستتجه إلى مزيد من الفوضى، وقد بدأت مع آلية رفع الدعم غير المنظمة أصلا."

بينما يرى شمس الدين أن الانعكاس السلبي لارتفاع الأسعار والكلفة، سيؤدي بالاقتصاد اللبناني إلى الشلل، ويضيف "المواد الغذائية والاستهلاكية ستشهد ارتفاعاً يتراوح ما بين الـ 70% و80% نتيجة ارتفاع تكلفة النقل وارتفاع تكلفة تشغيل المولدات، إضافة إلى ما تفرضه المستجدات من زيادات على المعاشات للعمال والموظفين، خاصة تلك التي ترتبط ببدلات النقل، حيث كان الموظف أو العامل يدفع 16 ألف ليرة للوصل إلى عمله، ستصل التكلفة اليوم إلى 60 ألف ليرة، وبالتالي فإن هذه الزيادات ستكون جزءاً من اسباب ارتفاع الأسعار المقبل".

ويتابع شمس الدين "بغياب النقل العام عن لبنان، إن لم يحصل زيادات على تكلفة بدل النقل، سنكون أيضاً أمام ظاهرة توقف الموظفين والعمال عن الحضور إلى عملهم، حيث باتت رواتبهم تساوي تكلفة مواصلات أسبوع واحد، أو تكلفة صفائح بنزين معدودة. وبالتالي قد نشهد اقفالاً لكل المؤسسات الحكومية لأن الموظفين لن يحضروا".

هذه الآثار ستشمل كل القطاعات في لبنان، وفقا لشمس الدين، إذ سترتفع حتما الكلفة التشغيلية لكل المؤسسات والشركات الخدماتية والصحية والسياحية والتربوية وغيرها، حتى بالنسبة إلى أجر الموظف والعامل، وبالتالي ستنعكس على أسعار كل شيء تقريباً.

وقد بدأت هذه النتائج بالظهور منذ اليوم الأول للإعلان عن رفع الدعم، وبدأت القطاعات الحيوية في البلاد باحتساب فروق الأسعار قبل استيراد المحروقات بسعرها الجديد حتى، حيث أعلن نقيب أصحاب الأفران، علي إبراهيم، أنّ "سعر ربطة الخبز سيتراوح بين 6 و7 آلاف ليرة بعد رفع الدعم عن المحروقات وارتفاع سعر صفيحة المازوت".

ويعتبر قطاع النقل والمواصلات من أبرز القطاعات المتأثرة مباشرةً بالقرار الجديد، حيث حلقت التكاليف بمجرد الإعلان عنه، وبدلا من 3 آلاف ليرة، فإن تعرفة نقل الباصات داخل بيروت سترتفع إلى 10 آلاف ليرة، فيما تعرفة سيارات التاكسي العمومية داخل بيروت (سرفيس) سترتفع تكلفتها من 8 آلاف ليرة إلى 25 ألفاً، وفقاً لما يؤكد شمس الدين.

وبحسب الأرقام التي حصل عليها موقع "الحرة"، قد تتراوح تكلفة النقل بالباصات من البقاع إلى بيروت ما بين 70 ألف ليرة (من الهرمل) إلى 25 ألف ليرة (من شتورة)، وتتفاوت الأسعار ما بين المنطقتين، فيما ستصبح تكلفة النقل من عكار إلى بيروت بحدود الـ 50 ألف ليرة، و35 ألف ليرة من طرابلس إلى العاصمة.

ويضرب ياسين مثلا بالقطاع الأمني والعسكري في البلاد، حيث "سيكون أمام واقع تكلفة تنقل العنصر وحدها تتخطى راتبه الشهري، مما سينعكس حكماً على التزامه، وبالتالي على قدرة هذه الأجهزة والمؤسسات على تنفيذ مهماتها، مع ما يعنيه ذلك من خطورة، كما أننا سنكون امام انهيار تام لقطاعات حيوية أخرى، كالقطاع الصحي الذي بدأ يغلق مستشفياته واحدة تلو الأخرى، والقطاع التربوي المقبل على عامه الجديد بعد أسبوعين، حيث سيستحيل على الأساتذة والطلاب تأمين تكاليف تنقلهم إلى المدارس."

حائط مسدود.. لا إمكانية لرفع الأجور

وفيما يبدو أن رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة المعاشات، قد يكون حلاً للمواطن اللبناني، فإن هذه الفرضية تبدو بعيدة كل البعد عن الواقع، وفق ما يؤكد ياسين، إذ إن خطوة رفع الأجور، دون استقرار نقدي وتعددية أسعار الصرف وعدم القدرة على ضبط الطلب على الدولار، كما هو الحال اليوم، ستفرض مزيداً من طبع للعملة اللبنانية، أي زيادة للكتلة النقدية، وهو ما سيصب في خانة زيادة الطلب مجدداً على الدولار، وبالتالي ارتفاع سعر صرفه ومزيد من الانهيار في القدرة الشرائية لليرة اللبنانية، وبالتالي تكون النتيجة "مكانك راوح" مع سلبيات أكبر ستنتج عن التضخم المفرط.

"وصلنا الى حائط مسدود"، وفق ياسين ففي الوضع الحالي ستكون النتيجة توقف تام لعجلة العمل في البلاد، في كافة القطاعات والمؤسسات، حيث بات العمل غير مجدٍ ويعود بخسارة على العمال والموظفين نتيجة ارتفاع التكاليف والأسعار، مما يعني إيقاف تام للاقتصاد، بدأ يظهر منذ اليوم، مع اعلان مؤسسات ومرافق حيوية توقفها التام عن العمل.

"وهنا تكمن الخطورة الحقيقية للذهنية التي تدار فيها البلاد"، بحسب أستاذ السياسات والتخطيط بالجامعة الأميركية، فتوقف الاقتصاد وقطاعاته الحيوية يعني الفوضى التامة، في المقابل ستكون الساحة أخليت تماماً للسوق السوداء وأربابها من محتكرين ومحميين سياسياً و"قبضايات" الأحياء والشوارع والقرى، المرتبطين بمجملهم بالأحزاب وأجنحتها الأمنية. وهم من سيمسك بالسوق السوداء عبر شبكات من العمل الأسود تديرها قوى الأمر الواقع، وتتغذى على الفوضى التي تزدهر معها الجريمة المنظمة وتسيرها.

ويذكر ياسين أن "مرصد الأزمة" أصدر دراسة أواخر الشهر الماضي تبين أن العائلات اللبنانية باتت بحاجة إلى نحو 3.5 مليون ليرة شهريا لتلبية الحد الأدنى من حاجاتها الغذائية، وهو ما يعني 5 مرات الحد الأدنى للأجور، وهذا الرقم سيرتفع بالحد الأدنى 30% مع رفع الدعم عن المحروقات مما يعني أن العائلات قد تحتاج 5 ملايين ليرة في الشهر الواحد لتلبية حاجاتها تلك الحاجات الأساسية، دون احتساب التكاليف الأخرى لتحضير الطعام.

معايير جديدة للتسعير

ومع هذا الواقع ستكون أسعار المحروقات خاضعة لـ4 معايير في ارتفاعها وانخفاضها بحسب "الدولية للمعلومات"، أولها سعر برميل النفط عالمياً، والثاني سعر صرف الدولار في السوق مقابل الليرة اللبنانية، أما المعيار الثالث فهو نسبة أرباح وحصة المحطات وشركات النقل، وانتهاء عند الضريبة على القيمة المضافة TVA.

وهنا يقول الباحث محمد شمس الدين، إن الأسعار الجديدة المتوقعة للمحروقات يمكن أن تتراجع، إذا ما قررت الحكومة اللبنانية التخلي عن ضرائبها المضافة على المحروقات او تخفيضها، إضافة إلى أرباح الشركات التي سبق لها أن فرضت 3 دولار إضافية كأرباح عندما رفع الدعم جزئيا نهاية يونيو الماضي، وبرفع هذه التكاليف قد ينخفض سعر صفيحة البنزين إلى 246 ألف ليرة، والمازوت يمكن أن ينخفض إلى 220 ألف ليرة.

ومنذ نهاية يونيو 2021، رفعت الحكومة اللبنانية الدعم عن المحروقات جزئياً، حيث تم دعم البنزين والمازوت وفقاً لسعر 3900 ليرة للدولار الأميركي، بعدما كان الدعم قبلها يتم وفقاً لسعر 1515 ليرة للدولار، وعمولة إضافية تمثل نسبة 10% غير مدعومة.

ويستهلك لبنان سنوياً نحو 120 مليون صفيحة بنزين و230 مليون صفيحة مازوت، أي أن كلفة الدعم تصل سنوياً إلى 28,142 مليار ليرة لدعم البنزين، و50,950 مليار ليرة لدعم المازوت، أي ما مجموعه 78,092 مليار ليرة، ما يوازي 3.9 مليار دولار.