مشيخة جنيف.. وبنادق الحوثي!

يجلسون في قصر الأمم بجنيف، تحفّهم المكيفات الباردة والبروتوكولات الأنيقة، يتبادلون الابتسامات الدبلوماسية المُريبة، ويوثقون بالصور إنجازاً ورقياً سمّوه ميثاق الشرف القبلي لحماية المدنيين. مشهد بائس يثير السخرية والاكتئاب؛ مائة شخص يُقال لكل واحد منهم وجاهة قبلية يمنية، يختزلون أنين وطن مكلوم في رداء أممي فضفاض، بينما على بعد آلاف الأميال يتجرع الأطفال والنساء في تعز وعموم اليمن الموت البطيء تحت الحصار الحوثي دون أن يرفّ لهؤلاء المشايخ جفن، أو تذكرهم بوابات سويسرا بأن الشرف يُصنع على التراب، لا في قاعات الضباب.

إن هذا الملتقى الباذخ، الذي رعاه مركز "ديكاف"، ليس هفوة زمنية بل جِناية توقيت؛ ففي اللحظة التي تتلقى فيها ميليشيا الحوثي ضربات عسكرية قاتلة على تخوم تعز وباب المندب ضمن عمليات «فجر اليمن»، وتترنح في خنادقها الدفاعية، يُستدعى المشايخ فجأة من رفوف النسيان. الغاية واضحة ولا تحتاج إلى مواربة: صناعة طوق نجاة سياسي، واختلاق غطاء اجتماعي يمنح القاتل صك غفران باسم الأعراف والصلح، ويحرف بوصلة الغضب الدولي عن حصار تعز الخانق إلى ترف التنظير الإنساني البارد في جنيف.

دعونا ننفض الغبار عن الوجوه لنرى الحقائق عارية كما هي؛ فالسواد الأعظم من هذه الوجاهات التي تدبّج اليوم بيانات الإنسانية، هي ذاتها التي أدارت ظهرها للجمهورية في سبتمبر 2014. هي الشبكة الصامتة والممالئة التي مهدت الأرض لمليشيا الكهوف لتدخل عاصمتنا صنعاء، وحوّلت أبناء القبائل، بوعي أو بانتهازية مفرطة، إلى حطب في محارق السلالة.

ولعل المثير للتهكم والسخرية أيضاً، أن هذا الميثاق ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة ومملة من المبادرات السابقة واللاحقة التي اعتاد هؤلاء تدبيجها لعقد من الزمن. مبادرات وفرت الوقت والجهد لتمدد الحوثي، ولم  تُنقذ طفلاً أو تفتح طريقاً. المفارقة الفاضحة تكمن في طبيعة الحضور؛ إذ يضم الوفد خليطاً عجيباً يجمع بين وجاهات عاشت طوال سنوات الحرب داخل مناطق سيطرة الميليشيا مهادنةً وصامتة، وبين شخصيات قبلية وإعلامية عُرفت بمواقفها الداعمة والمساندة للمشروع الحوثي. 

هؤلاء الذين برروا الانتهاكات بالأمس، يرتدون اليوم قناع حمامة السلام في سويسرا، ليقدموا شهادة زور اجتماعية تخدم المليشيا في لحظة انكسارها.

وعند تفنيد الوثيقة الصادرة عن الملتقى، نجدها تتكئ على عشرة بنود إنشائية تزعم أنسنة الأعراف القبلية وتطبيق القانون الدولي الإنساني. 

وهو لا يعدو كزنه نقداً ذاتياً مبطناً، واعترافاً ضمنياً بأن الأعراف اليمنية الأصيلة، التي تحمي العرض والدم والجار، قد جرى تجريفها على أيدي هؤلاء المهجنين. 

إن صياغة بنود تدعو لتحييد المنشآت وحماية المدنيين في سويسرا تحولت إلى ملهاة سياسية؛ فالشيخ الذي لا يستطيع حماية حدود قبيلته في الداخل أو رفع صوته أمام المشرف الحوثي، لن تحميه صكوك جنيف. الميثاق في جوهره ليس وثيقة حقوقية، بل آلية التفافية تمنح الحوثي اعترافاً مجتمعياً مبطناً تحت لافتة الإجماع القبلي.

تعز واليمن لا تحتاج إلى حبركم المراق، ولا إلى دموع التماسيح المذرفة في فنادق سويسرا. تعز التي يموت مرضاها بالفشل الكلوي لغياب الوقود، وتلد نساؤها على قارعة الطرق الجبلية الوعرة بسبب الحصار المطبق، كانت تنتظر من مائة شيخ وقبيلة أن يزحفوا نحو منافذها المغلقة، وأن يكسروا الحصار بوزنهم الاجتماعي، لا أن يتسكعوا في العواصم الأوروبية. الشرف القبلي الحقيقي يُختبر عند بوابات المدن المحاصرة، وفي مؤازرة النازحين والجرحى، وفي توجيه النفقات المليونية التي أُهدرت على تذاكر الطيران وبدل السفر لإطعام جائع أو إسعاف مريض.

 كفوا عن بيع الوهم في أوراقكم، فالتاريخ لا يرحم، ودماء اليمن لن تُمحى أبداً ببروتوكولات سويسرا الباردة.