على غرار حصار الاحتلال الإسرائيلي لغزة.. مليشيا الحوثي تحاصر تعز وتفاقم معاناة سكانها
تدخل مدينة تعز مرحلة جديدة من التدهور الإنساني مع تشديد مليشيا الحوثي حصارها على المدينة وقطع طرق الإمداد الرئيسية، بالتزامن مع تصاعد المواجهات العسكرية في محيطها، في تطورات دفعت الأمم المتحدة إلى التحذير من مخاطر تهدد حياة السكان، وسط نقص متزايد في الغذاء والوقود والمياه والأدوية، وتراجع قدرة المستشفيات على مواصلة تقديم خدماتها للمرضى والجرحى.
وبعد سنوات من القيود المفروضة على حركة المدنيين والبضائع، عادت أزمة الحصار إلى الواجهة بصورة أكثر خطورة خلال أكتوبر الجاري، مع تعطل حركة المركبات والإمدادات عبر الطرق الرئيسية، الأمر الذي فاقم معاناة السكان ورفع أسعار المواد المتبقية في الأسواق. وحذّر منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، لوران بوكيرا، في بيان صدر في 20 أكتوبر، من أن إغلاق الطرق وانعدام الأمن يمنعان وصول الإمدادات الحيوية إلى المدينة والمناطق المحيطة بها، مؤكداً أن أسعار ما تبقى من الغذاء والوقود ارتفعت إلى أكثر من الضعف، فيما تراجع إنتاج المياه في المدينة إلى النصف.
ولا تقتصر تداعيات الحصار على صعوبة انتقال السكان بين المدينة ومحيطها، بل تمتد إلى تعطيل دورة الحياة اليومية، مع تراجع إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل وسائل النقل ومضخات المياه والمولدات الكهربائية، وارتفاع تكاليف نقل السلع والاحتياجات الأساسية. وبحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، يواجه أكثر من مليوني شخص في مدينة تعز تراجعاً في إمدادات مياه الشرب، بعدما أدت التطورات الميدانية إلى قطع الوصول إلى آبار قريبة وتقييد حركة صهاريج المياه، فيما اضطرت الأسر إلى تقنين استهلاكها وسط ارتفاع تكاليف الحصول على المياه المنقولة.
المستشفيات أمام خطر التوقف
ويبرز القطاع الصحي بوصفه أحد أكثر القطاعات تضرراً من الحصار، إذ حذرت الأمم المتحدة من أن النقص في الوقود والأكسجين الطبي والأدوية والمستلزمات الأساسية يهدد استمرار الخدمات الصحية، بما فيها العمليات الجراحية والطوارئ والعناية المركزة والغسيل الكلوي ورعاية الأمهات والمواليد.
وأفادت إحاطة أممية في جنيف بأن 42 منشأة صحية في مدينة تعز أبلغت عن نقص حاد في الإمدادات، وأن المستشفيات وسيارات الإسعاف تحتاج إلى أكثر من 156 ألف لتر من الوقود شهرياً لمواصلة عملها. كما حذرت من أن نقص الوقود يهدد إنتاج الأكسجين ونقل الحالات الطارئة، ويؤثر في سلاسل التبريد اللازمة لحفظ اللقاحات، بينما تتناقص المخزونات المتاحة لدى الجهات العاملة في المجال الإنساني.
وتتضاعف المخاطر بالنسبة للأطفال والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة، ولا سيما الخدج وحديثي الولادة الذين يعتمدون على الحاضنات، فضلاً عن مرضى الفشل الكلوي والسرطان والحالات التي تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً. ومع تعذر وصول الإمدادات بصورة منتظمة، تصبح قدرة المستشفيات على الاستمرار مرتبطة بما تبقى لديها من مخزون، في وقت يصعب فيه تعويض النقص من خارج المدينة.
ويأتي ذلك في محافظة تواجه أصلاً احتياجات صحية وغذائية واسعة؛ إذ ذكرت الأمم المتحدة أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» فحصت أكثر من 168 ألف طفل في تعز منذ بداية العام، واكتشفت إصابة أكثر من 52 ألفاً بسوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 11 ألفاً و500 طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم.
نزوح متزايد وضغط على الموارد المحدودة
ويتزامن حصار المدينة مع موجة نزوح واسعة فرضها التصعيد العسكري في اليمن منذ أغسطس الماضي. ووفق بيانات أممية نقلتها وكالة الأناضول في 22 أكتوبر، تجاوز عدد النازحين داخل البلاد 260 ألف شخص، فيما سجلت الأمم المتحدة 251 ضحية مدنية بين قتيل وجريح، بينهم 57 قتيلاً و194 مصاباً، وكان الأطفال يمثلون نصف القتلى.
وتتحمل تعز جانباً كبيراً من أعباء هذه الأزمة، إذ تستقبل مناطق في المحافظة نازحين من جبهات القتال، في وقت تتراجع فيه قدرة الأسواق والخدمات الأساسية على تلبية احتياجات السكان. ويؤدي تدفق الأسر النازحة إلى زيادة الطلب على الغذاء والمياه والسكن والرعاية الصحية، بينما يواجه السكان الأصليون أنفسهم صعوبات متزايدة في توفير الاحتياجات اليومية.
وتحذر تقارير الأمم المتحدة من أن استمرار تعطل الطرق سيحد من قدرة المنظمات الإنسانية على إيصال المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً. وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن في 14 أكتوبر أن نحو 800 ألف شخص انقطعت عنهم المساعدات المنقذة للحياة بسبب اشتداد القتال وتقييد الوصول الإنساني في تعز ومناطق أخرى من البلاد، وهو ما يرفع المخاوف من اتساع فجوة الغذاء إذا لم تُستأنف الإمدادات بصورة آمنة ومنتظمة.
قصف الأحياء السكنية يزيد المخاوف على المدنيين
ولا تنفصل الأزمة الإنسانية عن التصعيد العسكري الذي تشهده تعز، حيث تتعرض مناطق سكنية للقصف في ظل استمرار المواجهات. وفي أحدث الوقائع التي نقلتها وكالة أسوشيتد برس، أدى هجوم صاروخي حوثي على حي سكني في المدينة إلى مقتل فتاتين وإصابة ستة أشخاص، في وقت تواجه فيه المدينة نقصاً في الإمدادات وارتفاعاً في الأسعار جراء الحصار.
وكانت تقارير حقوقية سابقة قد وثقت قصفاً عشوائياً للأحياء السكنية في المحافظة، ووقائع قتل وإصابة مدنيين واختطاف مواطنين ومداهمة منازل وإلحاق أضرار بالممتلكات. كما وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، في تقرير سابق، انتهاكات شملت مقتل مدنيين وإصابة آخرين وإطلاق مقذوفات على مناطق مأهولة، إلى جانب اتهامات بتجنيد شبان، بينهم من الفئات المهمشة. وتأتي هذه الوقائع في سياق أوسع من المخاطر التي يواجهها المدنيون في مناطق التماس، حيث يفاقم القصف والحصار معاً صعوبة الوصول إلى الخدمات والنجاة من آثار القتال.
مطالبات دولية بفتح الطرق وإنهاء الحصار
ومع تفاقم الأزمة، تصاعدت المطالبات الدولية بفتح الطرق وإدخال المواد الأساسية إلى المدينة. ففي 14 أكتوبر، دعا الاتحاد الأوروبي مليشيا الحوثي إلى رفع الحصار عن تعز والسماح بدخول الغذاء والمياه والدواء والوقود، مشدداً على ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية وتمكين الشركاء الإنسانيين من تقديم المساعدات الأساسية.
كما دعا منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة مليشيا الحوثي إلى فتح ممرات آمنة بصورة عاجلة أمام السلع التجارية والغذائية والأدوية والمساعدات الإنسانية، محذراً من أن استمرار القيود قد يفضي إلى مزيد من الوفيات بسبب الجوع والأمراض التي يمكن الوقاية منها والإصابات التي يمكن علاجها. وشدد على ضرورة حماية المدنيين والمنشآت المدنية واحترام القانون الدولي الإنساني.
وفي تحرك موازٍ، نظمت الجالية اليمنية، بمشاركة أكاديميين وحقوقيين وإعلاميين من بلجيكا وهولندا، وقفة احتجاجية أمام مقر البرلمان الأوروبي في بروكسل تحت شعار «ارفعوا الحصار عن تعز.. أوقفوا خطر الحوثيين». وطالب المشاركون مؤسسات الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات عملية لإنهاء الحصار وفتح المعابر الرئيسية بشكل دائم وآمن، وتسهيل حركة المدنيين وإيصال المساعدات والإمدادات الطبية دون قيود. ودعا البيان الصادر عن الوقفة إلى الانتقال من التنديد إلى خطوات ملموسة لحماية السكان ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون الدولي.
وفي المقابل، قالت وزارة حقوق الإنسان اليمنية، في بيان صدر في 12 أكتوبر، إن إعلان فتح بعض الطرق لا يعني بالضرورة انتهاء الحصار ما دامت حركة السكان وشحنات الإمدادات الأساسية لا تزال متعذرة فعلياً. وشددت الوزارة على أن معيار رفع الحصار يجب أن يكون حرية التنقل الآمن والوصول الفعلي للغذاء والدواء والوقود إلى السكان، لا مجرد التصريحات بشأن إعادة فتح الطرق.
أزمة تتجاوز إغلاق الطرق
وتكشف التطورات الأخيرة أن أزمة تعز لم تعد محصورة في إغلاق المنافذ أو صعوبة التنقل، بل باتت تهدد منظومة الحياة اليومية برمتها، من توفير مياه الشرب وتشغيل المستشفيات إلى تأمين الغذاء والوقود واستمرار الخدمات الأساسية. ومع تراجع المخزون المحلي وتعثر وصول الإمدادات، تصبح الأسر الأشد فقراً والمرضى والأطفال والنازحون الأكثر عرضة لتداعيات الأزمة.
ويضع استمرار الحصار المجتمع الدولي أمام اختبار يتجاوز إصدار البيانات، يتمثل في ضمان فتح الطرق بصورة فعلية ومستدامة، وتأمين مرور المدنيين والبضائع والمساعدات، ومنع استخدام الاحتياجات الأساسية وسيلة للضغط في الصراع. كما يتطلب الوضع تحركاً إنسانياً عاجلاً لتزويد المستشفيات بالوقود والأكسجين والأدوية، ودعم منظومات المياه، وتوفير الغذاء والمساعدات النقدية للأسر التي تآكلت قدرتها على مواجهة الارتفاع الحاد في الأسعار.
وبين التحذيرات الأممية والمطالبات الأوروبية والاحتجاجات اليمنية في الخارج، تظل الأولوية العاجلة هي منع انهيار الخدمات المنقذة للحياة في تعز، وضمان ألا يدفع المدنيون ثمن التصعيد العسكري وإغلاق طرق الإمداد. فكل يوم تتأخر فيه الإمدادات يزيد المخاطر على المرضى والأطفال والأسر المحاصرة، ويجعل معالجة الأزمة الإنسانية أكثر صعوبة وكلفة.