26 سبتمبر.. الثورة التي أسقطت الإمامة و21 سبتمبر الذي أعادها إلى صنعاء
في السادس والعشرين من سبتمبر 1962، لم يكن اليمنيون على موعد مع تغيير سياسي عابر، بل مع واحدة من أعظم التحولات في تاريخ البلاد الحديث؛ ثورة أطاحت بنظام الإمامة الذي احتكر السلطة لعقود، وأسقطت حكماً عائلياً قام على فكرة الحق السلالي في الحكم، وأعلنت قيام الجمهورية العربية اليمنية، فاتحةً أمام اليمنيين عهداً جديداً عنوانه المواطنة والمساواة وبناء مؤسسات الدولة.
وفي فجر 26 سبتمبر، تحرك ضباط يمنيون من تنظيم الضباط الأحرار ضد نظام الإمام محمد البدر، وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية بقيادة عبدالله السلال.
ولم يكن تثبيت النظام الجمهوري سهلاً؛ إذ اندلعت حرب واسعة بين الجمهوريين والملكيين استمرت حتى عام 1970، بعدما حاول أنصار النظام الإمامي استعادة الحكم الذي أسقطته الثورة، مستندين إلى دعم خارجي واسع، شاركت فيه أطراف إقليمية ودولية، من بينها إسرائيل.
كسر احتكار السلطة
كان سقوط نظام بيت حميد الدين، الذي حكم شمال اليمن في إطار منظومة الإمامة، أكثر من سقوط سلطة سياسية؛ فقد مثّل كسر احتكار القرار السياسي والاجتماعي المرتبط بفكرة الحق السلالي في الحكم، وأعاد تعريف علاقة المواطن بالدولة والسلطة.
وأعلنت الجمهورية مبدأً سياسياً جديداً في تاريخ اليمن: الحكم شأن عام، والدولة ملك للمجتمع، والسلطة ليست حقاً موروثاً لعائلة أو سلالة. ومن هنا أصبحت الجمهورية جوهر المنجز السبتمبري، والمساواة بين اليمنيين في الحقوق والواجبات وحق المشاركة في إدارة الدولة من أبرز مرتكزاته.
الجمهورية.. أبواب فتحت أمام اليمنيين
أسست أهداف ثورة 26 سبتمبر مداميك النظام الجمهوري، ورسخت مبادئ الحرية والمساواة وحق المشاركة العامة، وأحدثت تحولاً عميقاً في حياة اليمنيين.
وفي ظل الجمهورية أصبح بإمكان اليمني، بصرف النظر عن أصله الاجتماعي أو منطقته، الوصول إلى المناصب العليا في الدولة، وتأسيس الأحزاب السياسية، والمشاركة في الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية، والانخراط في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية.
وكان ذلك تحولاً غير مسبوق في تاريخ اليمن، إذ انتقل المجتمع من نظام ارتبطت سلطته العليا بالأسرة الحاكمة إلى نظام يقوم على مبدأ المساواة في إدارة الدولة.
الجمهورية تبني ما تركته الإمامة
شهد اليمن بعد الثورة توسعاً واسعاً في التعليم، وشُيدت مئات المدارس في المدن والأرياف، وأنشئت الجامعات والمعاهد الفنية والمهنية الحكومية والخاصة في مختلف المحافظات.
وفتحت الجمهورية أبواب التعليم أمام أجيال واسعة من اليمنيين، وأصبح أبناء الأسر الفقيرة والريفية قادرين على الوصول إلى المدارس والجامعات والالتحاق بمختلف المهن والتخصصات، فيما خرج من هذا التحول آلاف الأطباء والمهندسين والمعلمين والقضاة والضباط والإداريين والباحثين.
كما شهد البلاد تحولاً اقتصادياً واسعاً، خصوصاً مع اكتشاف النفط والغاز وبدء استخراج الثروات الطبيعية، إلى جانب توسع النشاط التجاري والاستثماري.
وسخرت الدولة إيرادات الموارد في تمويل الخدمات والمشاريع العامة، وتوسعت الوظائف الحكومية، وظهرت قطاعات جديدة وفرت فرصاً للعمل في القطاعين العام والخاص.
امتدت عملية بناء الدولة إلى مختلف القطاعات الخدمية، مثل الصحة والكهرباء والطرقات. وهكذا تحولت الجمهورية إلى مشروع لبناء الدولة وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات.
السلالية في مواجهة الجمهورية
لم تكن هذه المنجزات محل ترحيب لدى القوى السلالية التي لم تتخل عن فكرة الحق الحصري في الحكم، وترى أن السلطة امتياز ديني وسياسي مرتبط بالنسب، وليس حقاً عاماً لجميع اليمنيين.
وظل الصراع بين الجمهورية والمشروع الإمامي كامناً في الحياة السياسية اليمنية، إلى أن عاد بصورة أكثر عنفاً مع انقلاب مليشيا الحوثي المدعومة إيرانياً على الدولة وسيطرتها على صنعاء في 21 سبتمبر 2014.
ويمثل 21 سبتمبر، في جوهره، انقلاباً على مؤسسات الجمهورية وإعادة فتح الباب أمام مشروع سلالي مسلح كان اليمنيون قد أسقطوه بثورة 26 سبتمبر.
ومنذ ذلك التاريخ دخل اليمن مرحلة جديدة من الحرب والانقسام، وتعرضت مؤسسات الدولة للتفكك، وتراجعت الخدمات، واتسعت دائرة الفقر والنزوح والانتهاكات.
وبذلك تحول 21 سبتمبر إلى نقيض تاريخي لـ26 سبتمبر: الأولى أسقطت الإمامة وأعلنت الجمهورية، والثانية أسقطت مؤسسات الجمهورية وأعادت مشروع الإمامة المسلحة إلى قلب المشهد اليمني.
وزاد من خطورة هذا الانقلاب وبعده الطائفي دعم النظام الإيراني له عسكرياً وتقنياً، وتزويده بخبرات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، الذراع الإقليمي لإيران، ما عزز القدرات العسكرية للحوثيين وأسهم في إطالة أمد الحرب وتحويل اليمن إلى ساحة لصراع إقليمي تتجاوز تداعياته حدود البلاد.
العودة إلى زمن السجان
أنشأت مليشيا الحوثي مئات السجون والمعتقلات الرسمية والسرية، واقتادت إليها آلاف المعارضين والناشطين والسياسيين والعسكريين والحقوقيين والمدنيين.
وتحدثت تقارير حقوقية وشهادات ناجين عن التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء القسري والانتهاكات داخل تلك المعتقلات، فيما وثقت تقارير أممية انتهاكات خطيرة تعرض لها محتجزون في مناطق سيطرة المليشيا.
وأعادت هذه الممارسات إلى أذهان اليمنيين صورة السجون الإمامية المرتبطة بالقمع السياسي والتعذيب وإسكات المعارضين.
المرأة.. ضحية أخرى للقمع الحوثي
لم تنجُ المرأة اليمنية من القمع الحوثي؛ فقد تعرضت نساء للاعتقال والملاحقة، وتحدثت ناجيات عن التعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي والتحرش والاغتصاب داخل المعتقلات.
واستخدمت الاتهامات الأخلاقية وتلفيق التهم بحق النساء وسيلة للتشهير بهن وبأسرهن، بما ضاعف الضرر الاجتماعي والنفسي الواقع على الضحايا.
وهكذا تحولت المرأة التي أتاح لها النظام الجمهوري، تدريجياً، مساحات أوسع للتعليم والعمل والمشاركة العامة، إلى هدف من أهداف القمع الحوثي.
مليارات الإيرادات.. وموظفو الدولة بلا رواتب
ورغم سيطرة مليشيا الحوثي على موارد مالية ضخمة في مناطق سيطرتها، بما في ذلك الجمارك والضرائب والزكاة والرسوم والإتاوات المفروضة على المواطنين والقطاع الخاص، فإنها ترفض دفع رواتب قطاعات واسعة من موظفي الدولة.
وفي المقابل، تواصل المليشيا فرض جبايات متعددة لتمويل أنشطتها العسكرية ومناسباتها وفعالياتها، في وقت يعيش فيه ملايين اليمنيين تحت ضغط الفقر وتدهور الخدمات وانقطاع الرواتب.
وتكشف هذه المفارقة، بحسب موظفين ومصادر اقتصادية ووثائق متداولة، عن نموذج يقوم على تحصيل الموارد من المجتمع دون إعادة توجيهها بصورة كافية إلى الخدمات العامة ورواتب موظفي الدولة، وهي استنساخ لتجرية التجويع التي نهجتها عائلة حميد الدين في تجويع اليمنيين.
المناهج.. معركة على ذاكرة الأجيال
لم تتوقف محاولة مليشيا الحوثي لإعادة تشكيل الدولة عند السيطرة العسكرية والسياسية، بل امتدت إلى التعليم والمناهج الدراسية.
فقد أدخلت المليشيا تعديلات على الكتب المدرسية والمقررات التعليمية في مناطق سيطرتها، وكرست مضامين مذهبية وفكرية مرتبطة بمشروعها السياسي، بما في ذلك مفاهيم الولاء للمليشيا السلالية ورموزها، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من تحويل المدرسة إلى أداة لإعادة تشكيل وعي الأجيال الجديدة وفق رؤية أحادية.
وامتد ذلك إلى مؤسسات التعليم العالي، مع استحداث مقررات وأنشطة ذات طابع مذهبي، في محاولة لإعادة إنتاج منظومة فكرية تعيد الاعتبار لمفاهيم التمييز السلالي التي ثارت عليها ثورة سبتمبر.
استعادة الجمهورية المختطفة
بعد أكثر من عقد على انقلاب 21 سبتمبر، يجد المواطن اليمني نفسه أمام دولة ممزقة ومؤسسات منقسمة واقتصاد منهك وحرب طويلة لم تضع أوزارها.
وأدى الانقسام السياسي والعسكري بين القوى المناهضة للحوثيين وتعدد الولاءات والأجندات إلى إضعاف الجبهة الجمهورية وإطالة أمد الحرب، بينما ظل المواطن اليمني يتحمل كلفة هذا الانقسام من قوته وأمنه ومستقبله.
وفي مواجهة هذا الواقع، يطرح سياسيون وخبراء في الشأن اليمني توحيد الصف الجمهوري باعتباره المدخل الأهم والوحيد لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.
فالقضية، في جوهرها، ليست صراعاً على مقعد في السلطة، بقدر ما هي معركة على طبيعة الدولة اليمنية نفسها: دولة مواطنين متساوين تحكمها المؤسسات والقانون، أم دولة تفرض فيها مليشيا مسلحة رؤيتها السياسية والمذهبية بالقوة؟
ومن هذه الزاوية، فإن استعادة الجمهورية تعني استعادة مؤسسات الدولة، وتوحيد القرار السياسي والعسكري، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء جيش وطني، وضمان المساواة بين اليمنيين، وحماية موارد البلاد من العبث والنهب.
رفض عودة الإمامة
بعد 64 عاماً على ثورة 26 سبتمبر، لا تزال حاضرة في الوجدان اليمني باعتبارها اللحظة التاريخية التي أسقطت نظام الإمامة وأعلنت الجمهورية، وفتحت المجال أمام التعليم والعمل والمشاركة السياسية وبناء مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، يقف 21 سبتمبر في الذاكرة اليمنية المعاصرة باعتباره يوم انقلاب مسلح على الدولة ومؤسساتها، وبداية مرحلة جديدة من الحرب والانقسام والجبايات والقمع وتراجع الخدمات.
وبين التاريخين تتبلور معركة اليمنيين اليوم؛ فـ26 سبتمبر يمثل لحظة الانتقال من الحكم الإمامي إلى الجمهورية، فيما ارتبط 21 سبتمبر بمحاولة إعادة إنتاج مشروع سلالي مسلح خارج مؤسسات الدولة.
لذلك، لا تقتصر دلالة إحياء ذكرى سبتمبر على استعادة حدث تاريخي، بل تمتد إلى التأكيد على مبادئ الجمهورية، وفي مقدمتها أن الحكم ليس حقاً موروثاً، وأن الدولة ليست ملكاً لعائلة أو جماعة، وأن جميع اليمنيين متساوون أمام القانون.
ومع إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، أصبحت الجمهورية اليمنية إطاراً للدولة الموحدة، لتتواصل مسيرة الجمهورية التي انطلقت من ثورة 26 سبتمبر، وتقاطعت مع نضال الحركة الوطنية في جنوب اليمن ضد الاستعمار البريطاني وصولاً إلى ثورة 14 أكتوبر 1963.
ومن سبتمبر إلى اليوم، تبقى الرسالة الأساسية للثورة حاضرة: اليمن للجميع، والدولة للجميع، والسلطة حق للمواطنين وليست امتيازاً لسلالة.