تقرير استخباراتي: إيران نقلت متخصصين مرتبطين ببرامج عسكرية حساسة إلى مناطق الحوثيين
أثارت واقعة تزامن تحليق طائرة تابعة للأمم المتحدة فوق العاصمة اليمنية صنعاء مع هبوط طائرة مجهولة الهوية في مطار صنعاء، في 24 أغسطس/آب 2026، تساؤلات بشأن احتمال استغلال الحركة الجوية الإنسانية للتغطية على تحركات جوية غير معلنة إلى مناطق سيطرة مليشيا الحوثي.
وقالت وكالة «شيبا إنتليجنس»، في تقرير نشرته في 27 أغسطس، إن بيانات تتبع الرحلات الجوية ومقاطع فيديو ميدانية مؤرخة زمنياً أظهرت وجود طائرة تابعة للأمم المتحدة فوق صنعاء في الوقت الذي هبطت فيه طائرة أخرى لم تظهر على منصات التتبع الجوية العامة.
وأوضحت الوكالة أن التقرير أُعد بواسطة الدكتور عبد القادر الخراز وفريقه، استناداً إلى تسجيلات ميدانية جرى التحقق من توقيتها ومقارنتها ببيانات نظام التتبع التلقائي للطائرات (ADS-B) المتاحة عبر منصة «Flightradar24».
وبحسب التقرير، رصد الفريق وصول ثلاث طائرات متوسطة الحجم إلى مطار صنعاء الدولي في 24 أغسطس. وهبطت إحداها عند الساعة 11:10 صباحاً وغادرت في الساعة 12:36 ظهراً، من دون ظهورها على منصة التتبع العامة، فيما ظهرت طائرة أخرى تحمل الرقم «3B-NBZ» بصورة متقطعة، دون عرض مسار رحلتها إلى صنعاء.
أما الطائرة الثالثة، فقد هبطت عند الساعة 12:50 ظهراً وغادرت في الساعة 1:58 مساءً، دون توفر بيانات تعريفها أو مسار رحلتها للجمهور.
وتشير «شيبا إنتليجنس» إلى أن عدم ظهور طائرة على منصات التتبع التجارية لا يعني بالضرورة إيقاف جهاز الإرسال والاستقبال الخاص بها، إذ يمكن أن تتسبب عوامل عدة، بينها فجوات التغطية وطرق معالجة البيانات وفلترتها، في عدم ظهور الرحلات بصورة كاملة. إلا أن التسجيلات الميدانية، وفق التقرير، تشير إلى أن عدد الطائرات التي استخدمت مطار صنعاء كان أكبر من العدد الظاهر على منصات التتبع العامة.
مسار غير معتاد لطائرة أممية
تركزت أبرز الملاحظات على رحلة الأمم المتحدة «UNO136H»، التي كانت متجهة من الأردن إلى عدن، قبل أن تغادر عائدة إلى الأردن عند الساعة 12:17 ظهراً.
وبحسب التقرير، اتبعت الطائرة في رحلة العودة مساراً داخلياً عبر محافظات لحج والضالع وإب وذمار، قبل تحليقها فوق صنعاء، بدلاً من المسار البحري المباشر فوق البحر الأحمر.
وفي نحو الساعة 12:50 ظهراً، وبينما كانت الطائرة الأممية ظاهرة فوق أجواء العاصمة، رصد مراقبون ميدانياً هبوط طائرة أخرى في مطار صنعاء.
وقال التقرير إن المراقبين افترضوا في البداية أن الطائرة التي هبطت كانت تابعة للأمم المتحدة، غير أن بيانات التتبع أظهرت لاحقاً أن الرحلة «UNO136H» لم تهبط في صنعاء، بل واصلت مسارها شمالاً، بالتزامن مع دخول طائرة أخرى إلى المطار دون ظهورها على منصة التتبع.
ورأت الوكالة أن التزامن بين المسارين والتوقيت يثير احتمال استخدام الطائرة الأممية كـ«تمويه جوي» لتحرك الطائرة الأخرى، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الأدلة المتاحة لا تثبت بصورة مستقلة وجود تنسيق متعمد، أو علم الأمم المتحدة بالتحرك المجهول.
ويبرز، وفق التقرير، سؤالان رئيسيان: لماذا اتخذت الطائرة الأممية هذا المسار غير المعتاد فوق صنعاء في ذلك التوقيت؟ وهل كانت الجهات المشغلة لها على علم بوجود طائرة أخرى تستخدم المطار بالتزامن معها؟
وتعزز المقارنة مع رحلة أخرى للطائرة نفسها بعد يومين من ذلك التساؤلات؛ إذ أظهرت بيانات التتبع، في 26 أغسطس، عودتها من عدن إلى الأردن عبر المسار البحري المباشر فوق البحر الأحمر، دون دخول المجال الجوي الداخلي لليمن.
ومع ذلك، لا يشكل اختلاف المسارين دليلاً حاسماً على وجود عملية تستر، إذ يمكن أن تتغير مسارات الطيران لأسباب تشغيلية أو أمنية أو نتيجة الظروف الجوية. ويقول التقرير إن حسم المسألة يتطلب الاطلاع على خطة الرحلة المعتمدة وسجلات مراقبة الحركة الجوية.
مزاعم بشأن نقل خبراء ومعدات إلى صنعاء
تأتي هذه الواقعة في ظل تقارير سابقة لـ«شيبا إنتليجنس» تحدثت عن وصول خبراء أجانب ومعدات تقنية إلى مناطق سيطرة الحوثيين عبر رحلات جوية إلى صنعاء.
وكانت الوكالة قد نقلت عن مصدر مطلع أن خبراء إيرانيين وصلوا إلى صنعاء على متن إحدى الرحلات التي حملت، بحسب المصدر، معدات تقنية مرتبطة بالكشف عن الطائرات المسيّرة وتتبع إشاراتها وتحديد مواقع مشغليها أو محطات التحكم الأرضية.
ووفق الوصف الذي قدمه المصدر، فإن هذه القدرات تتوافق مع تقنيات الكشف عن الترددات الراديوية وتحديد الاتجاه (RF/DF)، التي يمكن دمجها مع أنظمة الرادار والمراقبة الكهروبصرية والتشويش الإلكتروني.
لكن الوكالة أقرت بعدم تمكنها من التحقق بصورة مستقلة من نوع المعدات أو الشركة المصنعة لها، أو ما إذا كانت إيران نقلت نظاماً متكاملاً أم مكونات منفصلة.
كما نقلت عن عبد القادر الخراز قوله إن الحوثيين استغلوا بعض الرحلات التابعة للأمم المتحدة لنقل خبراء أجانب ومعدات اتصالات وأنظمة مرتبطة بالطائرات المسيّرة، دون أن تتمكن الوكالة من التحقق بشكل مستقل من شحنات تلك الرحلات أو هويات ركابها.
تقارير عن نقل متخصصين إيرانيين إلى اليمن
وفي تقرير منفصل نشرته «شيبا إنتليجنس» في 26 أغسطس، أفادت مصادر مطلعة بأن إيران نقلت إلى مناطق سيطرة الحوثيين مجموعة من العلماء والمتخصصين المرتبطين ببرامج عسكرية حساسة، بما في ذلك مجالات نووية وبيولوجية.
وبحسب المصادر، جرت عمليات النقل خلال الأشهر التي أعقبت بدء الحملة الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، في إطار مساعٍ مفترضة لحماية أشخاص تعتبر طهران خبراتهم حساسة ومعرضة للاستهداف.
ولم تكشف المصادر عن أعداد هؤلاء الأشخاص أو هوياتهم، كما لم تحدد طبيعة المهام التي قد يكونون مكلفين بها في اليمن، أو ما إذا كان وجودهم في صنعاء مؤقتاً.
وتقول الوكالة إن عمليات النقل، وفق المعلومات التي حصلت عليها، ربما تمت عبر مسارات متعددة، شملت الرحلات الجوية والبحرية والطرق البرية، بهدف تقليل احتمالات اكتشاف التحركات.
وبحسب هذه الرواية، ربما وصل بعض المتخصصين عبر رحلات جوية تابعة للأمم المتحدة، فيما يُعتقد أن آخرين وصلوا عبر طرق بحرية وشبكات تهريب على الساحل الغربي، أو عبر مسارات برية من سلطنة عُمان مروراً بالمهرة وحضرموت وصولاً إلى صنعاء.
ولا تتضمن هذه المزاعم اتهاماً للسلطات العُمانية بالتورط، كما لا تثبت علم الأمم المتحدة بأي استغلال لرحلاتها الإنسانية.
مزاعم عن «مشروع نووي مستقبلي» للحوثيين
وتربط «شيبا إنتليجنس» بين وصول المتخصصين الإيرانيين المزعوم إلى صنعاء وبين معلومات عن مبادرة داخلية للحوثيين لتأهيل كوادر في إطار ما وصفته المصادر بـ«المشروع النووي المستقبلي».
وقالت المصادر إن الحوثيين أنشأوا إدارة خاصة بالمشروع واختاروا نحو 300 طالب للخضوع لبرامج تعليم وتدريب، وسط إجراءات أمنية مشددة.
غير أن تفاصيل المنهج الدراسي وأسماء المدربين ومواقع التدريب لم تتضح، كما لا توجد معلومات مؤكدة بشأن ما إذا كان التدريب سيجري داخل اليمن أو في الخارج.
وشددت الوكالة على أن هذه المعلومات لا تثبت امتلاك الحوثيين برنامجاً نووياً تشغيلياً، أو قدرتهم على إنتاج مواد نووية، مشيرة إلى أن المبادرة قد تكون تعليمية أو سياسية أو دعائية.
كما لم تتمكن من إثبات وجود علاقة عملية بين المتخصصين الإيرانيين الذين يُقال إنهم وصلوا إلى صنعاء وبين الإدارة الحوثية المشرفة على المشروع.
مسارات متعددة ومعلومات لم تُحسم
تقول «شيبا إنتليجنس» إن إيران قد تكون اعتمدت، في نقل المتخصصين والمعدات، على أساليب متعددة لتقليل احتمالات التتبع، مستفيدة من الرحلات الجوية إلى صنعاء، وشبكات التهريب البحري على الساحل الغربي، ومسارات برية عبر المناطق الشرقية من اليمن.
كما لم تستبعد المصادر احتمال نقل معدات عسكرية أو تقنية حساسة برفقة بعض هؤلاء الأشخاص، إلا أن محتويات الشحنات لم تُحدد بشكل مستقل.
وتؤكد الوكالة أنه لا توجد حتى الآن أدلة مستقلة موثقة تثبت نقل مواد نووية أو بيولوجية إلى اليمن، وأن مجرد نقل أشخاص يُقال إنهم مرتبطون ببرامج في هذه المجالات لا يعني انتقال القدرات النووية أو البيولوجية الإيرانية إلى الأراضي اليمنية.
وتبقى هوية الطائرة التي هبطت في صنعاء في 24 أغسطس، ومشغلها، وسبب رحلتها، والحمولة التي كانت على متنها، من دون إجابات مؤكدة.
غير أن تزامن تحليق الرحلة «UNO136H» فوق صنعاء مع هبوط طائرة غير متعقبة، إلى جانب اختلاف مسار الطائرة الأممية في 24 أغسطس عن مسارها بعد يومين، يطرح أسئلة تستدعي توضيحاً رسمياً بشأن خطة الرحلة ومسارها وإجراءات مراقبة الحركة الجوية في ذلك التوقيت.
وتظل هذه الوقائع، في ظل غياب سجلات الطيران الرسمية والتحقق المستقل من هوية الطائرة وحمولتها، في إطار المؤشرات والتساؤلات التي تحتاج إلى أدلة إضافية قبل الجزم بوجود عملية منسقة لاستغلال الرحلات الإنسانية في تغطية تحركات جوية غير معلنة.