من الدولة إلى السلالة.. التدمير الحوثي الهيكلي والفكري لمؤسسات اليمن بعد اجتياح صنعاء
لم يكن اجتياح مليشيا الحوثي للعاصمة اليمنية صنعاء مجرد محطة عابرة في سلسلة الحروب الأهلية التي شهدتها البلاد، بل كان نقطة تحول جوهرية دشنت مرحلة هدم الدولة وإعادة تركيبها على أسس سلالية ضيقة.
وعلى مدى السنوات الماضية، خاضت مليشيا معركة صامتة وشرسة داخل أروقة الوزارات والمؤسسات العامة، أسفرت عن تفكيك النظام الإداري والجمهوري اليمني وإحلال نظام طائفي وعقائدي بدلاً منه.
ولم تكن هذه العملية مجرد تغيير لشاغلي المناصب، بل كانت إعادة هندسة جذرية استهدفت تحويل الهياكل الإدارية والقانونية والاقتصادية إلى أدوات طيّعة لإطالة أمد السيطرة وتمويل المجهود العسكري، وتثبيت الحق الإلهي المزعوم في الحكم على حساب مفهوم المواطنة المتساوية.
سلطة الظل ونظام المشرفين
بدأت ملامح هذا التحول من خلال تقويض الهيكل التنفيذي التقليدي للدولة عبر ابتكار ما يُعرف بنظام المشرفين، وهو جهاز إداري موازٍ ألغى عملياً صلاحيات الوزراء والمسؤولين التنفيذيين والمحافظين الفعليين. فأصبح لكل مؤسسة حكومية أو قطاع خدمي مشرف سلالي يمتلك سلطة القرار المطلق والنهائي، متجاوزاً الدستور والقوانين النافذة.
هذا الإجراء أدى إلى تجميد معايير الكفاءة والخبرة الإدارية وتهميش الكوادر الوطنية التي بنيت على مدى عقود، واستبدالها بعناصر تدين بالولاء الأيديولوجي المطلق لقائد المليشيا.
ولم تعد الوزارات سوى واجهات ديكورية فارغة من مضمونها، تُستخدم فقط لإضفاء شرعية صورية وتمرير التوجيهات التي تصدر من الغرف المغلقة للمكاتب التنفيذية التابعة للمليشيا.
عقيدة السلاح الموجه وقمع الداخل
هذا التجريف الإداري زحف سريعاً نحو المؤسستين العسكرية والأمنية اللتين تعرضتا لعملية تفكيك وإعادة صياغة شاملة. فقد عملت المليشيا على تفكيك ما تبقى من وحدات الجيش اليمني السابق التي كانت تمثل رمزية الدولة اليمنية، واستبدلتها بالكامل بمليشياتها المسلحة التي تُعرف باللجان الشعبية.
وجرى منح عناصر المليشيا رتباً عسكرية رفيعة ومناصب قيادية حساسة داخل الهيكل الدفاعي دون الخضوع لأي شروط قانونية أو معايير عسكرية متعارف عليها.
وبالتوازي مع ذلك، عُمد إلى دمج جهازي الأمن القومي والأمن السياسي في كيان موحد تحت مسمى جهاز الأمن والمخابرات، ليتغير دور هذا الكيان بالكامل من حماية الأمن القومي للبلاد إلى ملاحقة المعارضين السياسيين والمجتمعيين، وتكميم أفواه الصحفيين والناشطين، وتحولت العقيدة العسكرية والأمنية من الولاء للوطن والدستور الجمهوري إلى التعبئة العقائدية السلالية وشعارات الولاء المطلق للمليشيا.
الجباية المنظمة وتجفيف الخزينة العامة
وفي الجانب الاقتصادي، انتهجت المليشيا الحوثية سياسة مالية راديكالية ركزت على تجفيف موارد الخزينة العامة لفائدة تمويل بناء اقتصادها الموازي.
فقد فرضت المليشيا سيطرة مطلقة على القطاعات الإيرادية الحيوية وفي مقدمتها الاتصالات والنفط والجمارك والضرائب، وحولت هذه العوائد الضخمة مباشرة إلى صناديق خاصة تابعة للقيادة العليا لإدارة المجهود الحربي والأنشطة الطائفية، متخلية بالكامل عن التزامات الدولة الأساسية تجاه المواطنين. ولإحكام هذه السيطرة، أنشأت المليشيات هيئات مستقلة موازية مثل الهيئة العامة للزكاة والهيئة العامة للأوقاف، وحولتها إلى أذرع مالية قوية تمتلك استقلالاً تاماً عن وزارة المالية، حيث تُستغل لجمع الأموال الطائلة من القطاع الخاص والمواطنين بالقوة وتحت مسميات وتفسيرات دينية مستحدثة تنتمي لأفكارها السلالية.
وتوجت المليشيا هذه السياسة بقطع رواتب الموظفين المدنيين لسنوات طويلة، في إجراء تعسفي متعمد لم يكن مجرد نتيجة للأزمة الاقتصادية، بل استُخدم كسلاح لمعاقبة المجتمع وإخضاعه، واشتراط الحصول على فتات من هذه المستحقات بمدى الانصياع لتعليمات المليشيا وحضور فعالياتها التعبوية.
تطييف التعليم وتجريف الوعي
ولم يكن لقطاع التعليم أن ينجو من هذه الهندسة الجذرية، إذ أدركت المليشيا أن السيطرة العسكرية والمالية لن يكتب لها الدوام ما لم ترافقها عملية تجريف واسعة للوعي المجتمعي وتدمير للهوية الوطنية اليمنية.
وشهدت المناهج الدراسية في التعليم العام والأساسي تحريفات وتغييرات واسعة استهدفت حذف الرموز الوطنية وتاريخ الثورة اليمنية التي أطاحت بالحكم الإمامي السلالي، وجرى حشو المقررات الدراسية بمفاهيم طائفية تمجد فكر المليشيا ومؤسسها، وتغرس ثقافة العنف والمواجهة العسكرية كأولويات تربوية بدلاً من العلم والمعرفة.
وترافق ذلك مع تحويل المدارس والمنشآت التعليمية إلى معسكرات استقطاب مغلقة تحت مسمى المراكز الصيفية، هدفها الأساسي غسل أدمغة الأطفال وتجنيدهم لصالح جبهات القتال، في حين فُرضت الدورات الثقافية الإلزامية على موظفي الدولة وأساتذة الجامعات والشخصيات القبلية كأداة للفرز السياسي والفكري، وصار الامتناع عنها سبباً كافياً للإقصاء من الوظيفة العامة أو الملاحقة الأمنية بتهم الخيانة والتواطؤ.
وامتدت هذه المقصلة لتطول الجامعات الحكومية العريقة وفي مقدمتها جامعة صنعاء، التي أفرغت من نخبها الأكاديمية المستقلة لصالح تعيين قيادات مليشاوية لا تملك أي مؤهلات علمية سوى الانتماء السلالي والولاء العقائدي.
المنظومة العدلية وتشريع المصادرات
ولإسباغ غطاء قانوني وزائف على هذه الممارسات ومصادراتها الواسعة، أحكمت المليشيا الحوثية قبضتها على الحصن الأخير للحقوق من خلال ما تسمى بالمنظومة العدلية التي استحدثتها برئاسة قيادات من الصف الأول للمليشيا مجهضةً بذلك استقلالية القضاء بالكامل.
ونجحت هذه المنظومة المستحدثة في تهميش مجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل وتسييس المحاكم والنيابات، وتطويع المحاكم الجزائية المتخصصة لتصبح أدوات انتقام سياسي تصدر قرارات الإعدام والمصادرة الجائرة بحق كل من يعارض توجهاتها.
وعبر ابتكار نظام الحارس القضائي، شرعنت المليشيا أكبر عملية نهب واستيلاء منظم في تاريخ اليمن الحديث، استهدفت أموال وممتلكات الخصوم السياسيين، والشركات التجارية الخاصة، والمؤسسات الخيرية، والمستشفيات، وتحويل ملكيتها وثرواتها لصالح قيادات نافذة في السلالة الحوثية أو لصالح الهيئات والصناديق الداعمة لبقاء الانقلاب.
مآلات التجريف ومستقبل الهوية الوطنية
إن المحصلة النهائية لكل هذه التحولات العميقة تكشف عن مشهد قاتم تجاوز حدود التغيير الإداري التقليدي ليصل إلى تغيير طبيعة المجتمع والدولة في اليمن.
لقد جرى سحق العقد الاجتماعي ومفهوم الدولة الديمقراطية والجمهورية لصالح سلطة قمعية شمولية تجمع بين الجباية الاقتصادية المنظمة والتعبئة الفكرية الإجبارية والقهر الأمني غير المحدود.
وهذا البناء العقائدي والمليشاوي الموازي تم تصميمه برمتّه ليرتبط وجود المؤسسات بوجود المليشيا نفسها وبقاء نفوذها السلالي، مما يجعل من جهود استعادة مؤسسات الدولة أو التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية أمراً شديد التعقيد، إذ وضعت المليشيا الحوثية الهوية الوطنية اليمنية ومستقبل الأجيال القادمة في نفق مظلم من الصعب الفكاك منه دون تفكيك كامل لهذه المنظومات الموازية التي استبدلت وطن المواطنة بمجتمع الطاعة والإذعان.