كيف توظف طهران كواليس "لوسيرن" لتسويق صمودها أمام الضغوط الأمريكية؟

بينما تصف الولايات المتحدة المحادثات الجارية في مدينة لوسيرن السويسرية بأنها خطوة أولى نحو اتفاق أوسع مع إيران، تعكس التغطية الإعلامية الإيرانية الرسمية رؤية مختلفة تركز بصورة أكبر على تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية عاجلة، في مؤشر على استمرار التباين بين الجانبين بشأن أولويات العملية التفاوضية.

ووفق تقرير أعده الصحفي والمدير السابق لتحرير إذاعة أوروبا الحرة ماردو سوغوم ونشره "منتدى الشرق الأوسط"، فإن وسائل الإعلام المقربة من دوائر صنع القرار في طهران ركزت على ملفات مثل وقف إطلاق النار في لبنان، وإمكانية الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، والترتيبات المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، في حين تراجعت إلى الخلفية القضايا التي شكلت أساس الخلاف بين البلدين، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية، ونفوذ الجماعات المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وأشارت قناة "نور نيوز"، المقربة من المؤسسة الأمنية الإيرانية، إلى أن الجولة الأولى من المحادثات انصبت على ملفي لبنان والأموال الإيرانية المجمدة.

وذكرت أن الجلسة استمرت نحو 80 دقيقة قبل تعليقها لإجراء مشاورات، في أعقاب ما وصفته بتهديدات جديدة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يفضح هشاشة التقدم الذي تحقق حتى الآن وتأثره بالتطورات السياسية والإقليمية.

ورغم الحديث عن انطلاق مرحلة جديدة من التواصل بين واشنطن وطهران، فإن المعلومات المتاحة علناً لا تظهر انعقاد مفاوضات مباشرة ومكثفة بين كبار المسؤولين من الجانبين.

واكتفى البيان الصادر عن الوسطاء بالإعلان عن إنشاء قنوات اتصال ولجان عمل ومواصلة الاجتماعات المستقبلية، من دون الكشف عن تفاهمات سياسية ملموسة أو نتائج تفاوضية واضحة.

كما لم تُنشر صور أو روايات رسمية توثق جلسات تفاوض مباشرة بين الوفدين، الأمر الذي دفع بعض المراقبين إلى اعتبار لقاء لوسيرن أقرب إلى منصة دبلوماسية لترتيب مسار التفاوض منه إلى جولة حاسمة لحل القضايا العالقة.

ملفات أكثر حساسية

وفي السياق ذاته، تبنت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية لهجة حذرة حيال فرص التقدم السريع، مؤكدة أن الاتفاق على خارطة طريق تمتد لـ60 يوماً لا يعني بدء التفاوض النهائي فوراً. 

ونقلت الوكالة عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله إن الانتقال إلى مناقشة اتفاق شامل سيظل مرتبطاً بتنفيذ بنود محددة من مذكرة التفاهم، وبمبدأ المعاملة بالمثل بين الطرفين.

وتشير هذه التصريحات إلى أن جزءاً مهماً من المهلة الزمنية المحددة قد يُستهلك في إجراءات بناء الثقة، وآليات التحقق، وتسوية الخلافات المتعلقة بالتنفيذ، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر حساسية وتعقيداً.

ويعزز تشكيل فرق العمل الفنية هذا الانطباع، إذ تُستخدم مثل هذه اللجان عادة لمعالجة الجوانب التقنية والإجرائية، بما في ذلك العقوبات والملف النووي وآليات الرقابة والأمن البحري، قبل رفع القضايا الخلافية الكبرى إلى المستوى السياسي.

ووفقاً للتقرير، هذه البنية قد تساعد في تهيئة الأرضية للتفاهم، لكنها في الوقت ذاته قد تؤدي إلى إطالة أمد العملية التفاوضية إذا تعثرت المناقشات الفنية.

وعلى هامش اللقاء، أثارت مقاطع مصورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي اهتماماً واسعاً بعدما أظهرت نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في مواقف بدت خالية من أي تفاعل علني مع الوفد الإيراني أو المسؤولين القطريين المشاركين. 

ورغم تأكيد مسؤولين أمريكيين أن فانس عقد لقاءات منفصلة قبل الفعالية، فإن غياب الصور المشتركة والتواصل العلني منح المشهد دلالات سياسية استثمرتها وسائل الإعلام الإيرانية.

كما تجنب المسؤولون الإيرانيون الظهور في لقطات مشتركة مع فانس، في حين تجاهلت غالبية وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية دوره في الاجتماع، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لتفادي منح واشنطن مكسباً رمزياً يمكن توظيفه داخلياً أو خارجياً باعتباره مؤشراً على تقارب سياسي.

تأخيرات وخلافات

وفي قراءتها للمشهد، قدمت "نور نيوز" التأخيرات والخلافات الإجرائية بوصفها دليلاً على صعوبة ترجمة الضغوط الأمريكية العسكرية والاقتصادية إلى تنازلات سياسية من جانب طهران.

ومن هذا المنطلق، تسعى وسائل الإعلام الإيرانية إلى تصوير المحادثات على أنها عملية تضطر خلالها واشنطن إلى التكيف مع الشروط الإيرانية أكثر من كونها مساراً تُجبر فيه إيران على تقديم تنازلات جوهرية.

وبينما لا يزال من المبكر الحكم على فرص نجاح محادثات لوسيرن، فإن الرسائل الصادرة من الجانبين تكشف استمرار الفجوة في تعريف أهداف العملية التفاوضية. ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن طريق نحو تسوية شاملة، تركز طهران على خطوات تدريجية ومكاسب محددة، ما يثير تساؤلات حول قدرة المهلة الزمنية المحددة على تجاوز العقبات الإجرائية والانتقال إلى معالجة الملفات الأكثر تعقيداً في العلاقات الأمريكية الإيرانية.

ويظهر من الخطاب الإعلامي الإيراني أن طهران تتعامل مع محادثات لوسيرن باعتبارها أداة لإدارة التوتر وتحقيق مكاسب مرحلية، بينما تروج واشنطن لها باعتبارها بداية مسار نحو اتفاق أوسع. وقد يشكل هذا التباين أحد أبرز التحديات أمام أي تقدم جوهري خلال الأسابيع المقبلة.