انحسار ظل طهران.. "ناشونال إنترست" تكشف ملامح المرحلة الأكثر هشاشة لمليشيا الحوثي

يرى تقرير تحليلي (نقلته إلى العربية وكالة خبر) أن مليشيا الحوثي الإرهابية، التي شكلت لسنوات أحد أبرز عوامل عدم الاستقرار في اليمن ومنطقة البحر الأحمر، قد تواجه مرحلة غير مسبوقة من التحديات إذا ما تراجع الدعم الإيراني الذي مثّل أحد أهم ركائز بقائها وقدرتها العسكرية.

وبحسب التقرير، الذي نشرته مجلة "ناشونال إنترست" وأعده الباحث هنري روجرز، فإن المليشيا استطاعت على مدى سنوات الحرب اليمنية الصمود أمام ضغوط عسكرية واقتصادية وإقليمية كبيرة، مستفيدة من طبيعة مناطق سيطرتها الجغرافية، وشبكاتها المالية، والدعم الذي وفرته لها إيران. 

إلا أن المتغيرات التي أفرزتها الحرب بين إيران وخصومها خلال عام 2026 قد تضع مليشيا الحوثي أمام واقع مختلف، يتمثل في تقلص مصادر الإسناد الخارجي وتزايد الضغوط على مواردهم المالية والعسكرية.

ويشير التقرير إلى أن الحوثيين لعبوا حتى الآن دوراً محدوداً نسبياً في الصراع المرتبط بإيران، إلا أنهم ظلوا يمثلون عامل تهديد مستمر للملاحة الدولية والاقتصاد العالمي. ويرجح التقرير أن أي عودة للتصعيد الإقليمي قد تدفع إيران إلى استخدام المليشيا كورقة ضغط إضافية، وهو ما قد يستدعي ردوداً عسكرية من الولايات المتحدة وإسرائيل تستهدف قدراتها الهجومية.

ورغم أن الضربات العسكرية السابقة ألحقت أضراراً ببعض البنى العسكرية لمليشيا الحوثي، إلا أن التقرير يرى أنها لم تنجح في إضعاف الجماعة بصورة حاسمة بسبب طبيعة انتشارها الجغرافي وقدرتها على التكيف مع الضغوط.

شبكات تمويل الحوثيين

ويستند تقرير مجلة "ناشونال إنترست"، إلى أن الدعم الإيراني يمثل أحد الأعمدة الأساسية لصمود مليشيا الحوثي، من خلال توفير التدريب والتمويل والأسلحة والخبرات العسكرية. 

ووفقاً للتقرير، فقد ساهم هذا الدعم في تعزيز قدرات الحوثيين على تهديد خطوط الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

لكن التقرير يلفت إلى أن العلاقة بين الطرفين قد تواجه تحديات متزايدة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها إيران، واحتمالات إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والاستراتيجية بعد الحرب. 

ويعتقد أن أي تراجع في مستوى الدعم الإيراني سيدفع الحوثيين إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة وتعزيز اعتمادهم على شبكات مالية غير رسمية تعتمد بدرجة كبيرة على العملات الرقمية.

ولمواجهة هذه المتغيرات، يدعو التقرير الولايات المتحدة إلى العمل بصورة أوثق مع شركائها الإقليميين، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بهدف استهداف شبكات التمويل غير المشروعة للمليشيا وتعزيز قدرات القوى المناهضة لها على الأرض.

ويستشهد التقرير بالهجوم الصاروخي الذي تبناه الحوثيون ضد إسرائيل في مارس/آذار 2026 باعتباره مؤشراً على استمرار قدرة المليشيا على العمل رغم سنوات من الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية. 

ويرى أن هذا الصمود يعود إلى مجموعة من العوامل، تشمل البيئة الجغرافية الصعبة، والموارد المالية المتاحة، والهيكل التنظيمي المرن، وشبكات التمويل التي طورتها الجماعة خلال سنوات الحرب.

أسلحة متطورة وتدريب عسكري

وتمنح التضاريس الجبلية الوعرة في شمال اليمن الحوثيين مزايا دفاعية كبيرة، بحسب التقرير، إذ توفر لهم عمقاً استراتيجياً وحماية طبيعية من العمليات العسكرية التقليدية. كما تسمح الوديان والمرتفعات بإخفاء المعدات والمقاتلين وإعاقة أي عمليات برية واسعة النطاق.

ويشير التقرير إلى أن اليمن يمتلك مصدرين رئيسيين للموارد الاقتصادية يتمثلان في الثروات النفطية وموقعه الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر. 

ويؤكد أن مليشيا الحوثي استفادت من موقعها الجغرافي القريب من الممرات البحرية الحيوية، وهو ما عزز أهميتها بالنسبة لإيران وساهم في توسيع نفوذها الإقليمي.

ووفقاً للتقرير، وفرت إيران لمليشيا الحوثي جانباً كبيراً من الأسلحة المتطورة والتدريب العسكري، إضافة إلى الدعم المالي. 

كما امتد الدعم الإيراني للحوثيين إلى الجوانب التنظيمية والعقائدية التي ساعدتهم على بناء بنية تنظيمية متماسكة.

 

جبايات وتهريب

في الوقت نفسه، يؤكد التقرير أن مليشيا الحوثي لم تعتمد بالكامل على الدعم الإيراني، بل طورت مصادر دخل متنوعة شملت فرض الجبايات والرسوم المحلية، والاستفادة من أنشطة التهريب، والحصول على موارد مالية من قطاعات اقتصادية مختلفة داخل مناطق سيطرتها.

ويقول التقرير إن المليشيا وسعت كذلك شبكاتها الاقتصادية غير الرسمية، بما في ذلك أنشطة مرتبطة بتجارة السلاح في منطقة البحر الأحمر، الأمر الذي وفر لها مصادر دخل إضافية وعزز حضورها داخل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ويضيف أن العقوبات الأمريكية المفروضة على مليشيا الحوثي منذ سنوات دفعتها إلى تطوير منظومة مالية بديلة تعتمد على شبكات سرية وتحويلات يصعب تتبعها. وأدى ذلك إلى نشوء بنية مالية موازية مكنتها من مواصلة نشاطها رغم العزلة الاقتصادية والعقوبات الدولية.

ويرى التقرير أن هذه المنظومة المالية قد تصبح نقطة ضعف رئيسية في المستقبل. فاليمن يعاني من أوضاع اقتصادية متدهورة بعد سنوات طويلة من الحرب، فيما لا يمتلك الحوثيون قاعدة صناعية عسكرية تمكنهم من إنتاج معظم الأسلحة المتطورة التي يعتمدون عليها.

ويؤكد التقرير أن الجزء الأكبر من الصواريخ والأسلحة المتقدمة التي تستخدمها مليشيا الحوثي يأتي من إيران، في حين تظل قدراتها التصنيعية المحلية محدودة نسبياً، وتركز بصورة أساسية على بعض أنواع الطائرات المسيّرة والأنظمة الأقل تعقيداً.

 

مشورة وتوجيه.. وعملات مشفرة

ويشير إلى أن الدعم الإيراني لا يقتصر على الإمدادات العسكرية، بل يشمل المشورة والتوجيه والخبرات العملياتية التي ساعدت المليشيا على تطوير أساليبها القتالية والإدارية. ويرى أن فقدان هذا النوع من الدعم سيزيد من هشاشة وضع الحوثيين على المدى الطويل.

وبحسب التقرير، فإن أي إعادة ترتيب للأولويات الإيرانية بعد الحرب قد تدفع طهران إلى تقليص إنفاقها الخارجي، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية المتراكمة والعقوبات والخسائر التي تكبدها اقتصادها. 

وفي حال تقلص ميزانية الحرس الثوري، فإن قدرته على إيصال الأسلحة والمعدات إلى مليشيا الحوثي ستتراجع بصورة ملحوظة.

وفي ظل هذا السيناريو، قد تضطر مليشيا الحوثي إلى زيادة اعتمادها على شراء الأسلحة من مصادر بديلة عبر شبكات مالية تعتمد على العملات المشفرة، وعلى رأسها عملة "تيثر". إلا أن التقرير يشير إلى أن هذا الاعتماد يفتح الباب أمام ضغوط أمريكية محتملة تستهدف تتبع الأصول الرقمية المرتبطة بالمليشيا وتجميدها.

ويرى التقرير أن تراجع الإمدادات العسكرية وازدياد الضغوط المالية قد يدفع مليشيا الحوثي إلى التركيز بصورة أكبر على الموارد النفطية اليمنية لتعويض النقص في مصادر التمويل، مشيراً إلى أن النفط يظل أحد أهم الموارد الاقتصادية في البلاد رغم تراجع الإنتاج نتيجة سنوات الصراع.

ولفت إلى أن مناطق إنتاج النفط تقع في بيئات جغرافية مختلفة عن المعاقل الجبلية لمليشيا الحوثي، ما يجعل الدفاع عنها أكثر صعوبة في حال اندلاع مواجهات واسعة النطاق حولها، مؤكداً أن السيطرة على هذه الموارد قد تصبح عاملاً حاسماً في أي صراع مستقبلي داخل اليمن.

ويخلص التقرير إلى أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام فرصة لإضعاف مليشيا الحوثي إذا ما استثمرت المتغيرات الجديدة الناتجة عن تراجع الدعم الإيراني. ويرى أن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب تعاوناً وثيقاً مع السعودية والقوى اليمنية المناهضة للمليشيا، مع التركيز على استهداف شبكات التمويل والإمداد بدلاً من الاعتماد على الضربات الجوية وحدها.

وفي هذا السياق، يقترح التقرير أربعة مسارات رئيسية، تشمل: توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية مع السعودية، وتعزيز دعم الشركاء المحليين والإقليميين، وربط أي دعم عسكري باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، بالإضافة إلى تكثيف الجهود الرامية إلى تتبع الأصول الرقمية المرتبطة بمليشيا الحوثي والحد من استخدامهم للعملات المستقرة في معاملاتهم المالية.

ويختتم التقرير بالقول، إن المليشيا قد تكون مقبلة على مرحلة أكثر هشاشة مما كانت عليه خلال السنوات الماضية، إلا أنها ما تزال تتمتع بقدرة كبيرة على التكيف وإعادة بناء شبكاتها. ولذلك فإن أي فرصة لإضعافها قد تكون محدودة زمنياً، ما يفرض على الولايات المتحدة وشركائها التحرك بسرعة إذا أرادوا استثمار التحولات الجارية في المشهد الإقليمي.