الصين وإيران.. تجارة "الاستخدام المزدوج" تشعل مواجهة خفية مع واشنطن
أفادت مجلة "ناشونال إنترست" بأن الصين تزود الجيش الإيراني بشحنات من المواد والمكونات ذات الاستخدام المزدوج، التي يمكن توظيفها لأغراض مدنية وعسكرية في آن واحد.
وذكرت المجلة أنه في الأسبوع الماضي، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفة جمركية بنسبة 50% على أي دولة تُضبط وهي تزود إيران بالأسلحة، على أن يسري القرار فورًا ودون استثناء.
وفي 15 أبريل، قال ترامب في مقابلة مع قناة فوكس بيزنس، إن الرئيس الصيني شي جين بينغ ردّ على رسالة بعث بها إليه، طلب فيها الامتناع عن مثل هذه الإمدادات.
وأضاف ترامب: "كتبت له رسالة أطلب منه فيها عدم القيام بذلك، فأجابني بأنه، باختصار، لن يفعل ذلك"، مشيرًا إلى رضاه عن الرد.
وأوضحت المجلة، في تقرير أعده كريستوفر ناي، الأستاذ السابق في جامعة شرق الصين للمعلمين، أنه بعد خمسة أيام من هذا التبادل، احتجزت المدمرة الأمريكية "يو إس إس سبروانس" سفينة الحاويات الإيرانية "توسكا" أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري الأمريكي في خليج عُمان.
ووفقاً لبيانات شركة "كيبلر" لتحليلات الشحن، كانت السفينة عائدة من ميناء غاولان في مدينة تشوهاي جنوب الصين، وهو ميناء متخصص – بحسب ما أشارت صحيفة "واشنطن بوست" – في تحميل بيركلورات الصوديوم، وهي مادة كيميائية أولية تدخل في تصنيع وقود الصواريخ الصلبة. ووصف ترامب الشحنة بأنها "غير لائقة"، ملمحًا إلى أنها تمثل "هدية من الصين".
وبحسب التقرير، فإن رد بكين لم يكن مضللاً من الناحية الحرفية، لكنه اتسم بضيق نطاقه، إذ يعتمد الموقف الصيني على تعريف "الأسلحة". فإذا اقتصر التعريف على المنصات القتالية المكتملة التي تُنتجها الدولة، فإن سجل الصين يبدو نظيفاً إلى حد كبير، حيث لا يقوم جيش التحرير الشعبي الصيني بتسليم إيران طائرات مسيّرة أو صواريخ جاهزة.
غير أن هذا التصنيف، وفق التقرير، لا يعكس سوى جزء محدود من الصورة، حيث أسهمت هذه المواد خلال الأسابيع الستة الماضية في دعم عمليات إيرانية، شملت هجمات أثرت على نحو 17% من إنتاج منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر، وألحقت أضراراً بمصافي نفط في مناطق تمتد من البحر الأحمر إلى الكويت، فضلاً عن استنزاف مخزونات الدفاعات الجوية الخليجية من الصواريخ الاعتراضية.
ورغم أن هذه المنظومات إيرانية المنشأ، فإن سلاسل توريدها الصناعية تمر عبر موانئ مدنية وورش تصنيع في الصين.
وأشار التقرير إلى أن هذا النمط ليس عارضاً، إذ تُدرج الصادرات الصينية إلى برامج الإنتاج العسكري الإيراني ضمن فئات جمركية مدنية، مثل المواد الكيميائية ذات الاستخدام المزدوج، أو قطع غيار الطائرات، أو الإلكترونيات الصناعية، وفق التصنيف الذي يختاره المصدر.
ويُعد بيركلورات الصوديوم مثالاً بارزاً، إذ يُصنف كمادة مزدوجة الاستخدام لها تطبيقات مدنية، منها الألعاب النارية، لكنه يُكرر أيضاً إلى بيركلورات الأمونيوم، التي تشكل نحو 70% من مكونات الوقود في الصواريخ الباليستية العاملة بالوقود الصلب.
وأفاد التقرير بأن أجهزة استخبارات أوروبية قدّرت أن شحنة واحدة تزن ألف طن، نُقلت من ميناء تشوهاي إلى ميناء بندر عباس في مطلع عام 2025، كانت كافية لتزويد ما بين 200 و260 صاروخاً بالوقود، فيما وصلت شحنة أخرى بوزن ألفي طن لاحقًا في العام ذاته.
وكانت السفينة "توسكا" تحاول اتباع المسار نفسه الذي سلكته سفن إيرانية أخرى خاضعة للعقوبات. وعندما غادرت سفينتان مماثلتان ميناء غاولان في مارس، أشار خبراء إلى أن بكين كان بإمكانها احتجازهما، لكنها لم تفعل.
مواد كيميائية مرتبطة بالصواريخ
وفي هذا السياق، اعتبر التقرير أن رد وزارة الخارجية الصينية على عملية الاعتراض يعكس تطبيق هذه المقاربة. ففي 20 أبريل، أعرب المتحدث غو جياكون عن قلقه إزاء "الاعتراض القسري" للسفينة، داعياً إلى ضمان "حرية الملاحة".
وفي اليوم التالي، رفض مزاعم السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، التي قالت إن السفينة تحمل مواد كيميائية مرتبطة بالصواريخ، مؤكداً أن السفينة "ناقلة حاويات أجنبية"، وأن الصين "ترفض أي تكهنات غير صحيحة".
وأكد التقرير أن هذه التصريحات لا تتضمن، من الناحية الحرفية، معلومات خاطئة، إذ لم تكن السفينة تحمل صواريخ مكتملة، كما أنها لم تُستأجر من قبل الجيش الصيني. إلا أن التعريفات التي تعتمدها بكين، والتي لا تصنف المواد ذات الاستخدام المزدوج كصادرات عسكرية، تجعل هذا النفي محكمًا من الناحية القانونية.
ووفقاً للتقرير، تتكرر الصورة ذاتها في سلاسل توريد الطائرات المسيّرة، وإن على نطاق أصغر، إذ تتراوح تكلفة الطائرة المسيّرة من طراز "شاهد-136" بين 20 و50 ألف دولار، في حين يتجاوز سعر صاروخ "باتريوت" الاعتراضي المستخدم لإسقاطها 3 ملايين دولار. ومع ذلك، لا تُصنع هذه المنظومات داخل مصانع حكومية صينية.
وأشار التقرير إلى أن محرك "شاهد-136" يعود في أصله إلى نموذج ألماني من طراز "ليمباخ"، استحوذ عليه مستثمرون صينيون عام 2011 بعد تعثر الشركة المنتجة، قبل نقل الإنتاج إلى مقاطعة فوجيان. كما أن مكونات أخرى، مثل أنظمة الملاحة، ومقاييس الارتفاع، والرقائق الإلكترونية، تُنتج داخل مجمعات صناعية صينية وتُصدر تحت تصنيفات مدنية.
ولفت التقرير إلى أن الموردين غالباً ما يكونون شركات صغيرة غير معروفة، تعمل في مجالات بعيدة ظاهرياً عن الصناعات العسكرية.
ومن بين هذه الشركات "شنتشن كاسبرو"، التي فرضت عليها وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عام 2024، رغم تسجيلها الرسمي كشركة تعمل في "إلكترونيات السيارات"، بينما كانت تزود برامج عسكرية إيرانية بمكونات حساسة.
عقوبات أمريكية
أشار التقرير إلى شركة "غويلين ألفا"، التي تضم عدداً محدوداً من الموظفين، وزودت مكونات طيران قبل أن تُنهي تسجيلها رسمياً.
وفي مثال آخر، أوضح التقرير أن شركة "شيامن ليمباخ" أنشأت عام 2021 شركة تابعة مملوكة لها بالكامل، ثم نُقلت ملكيتها إلى كيان آخر مرتبط بالإدارة ذاتها.
وعقب فرض عقوبات أمريكية على الشركة الأم في أكتوبر 2024، توقفت الأخيرة عن العمل، بينما واصلت الشركة التابعة - التي تضم عشرات الموظفين- نشاطها دون انقطاع.
واعتبر التقرير أن هذه الديناميكية تفسر محدودية فعالية العقوبات الفردية، مشيراً إلى أن المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات، بل في بطء الإجراءات البيروقراطية، في مقابل قدرة الشركات على إعادة تسجيل نفسها بسرعة تحت أسماء جديدة.
وأضاف أن قانون مراقبة الصادرات في الصين يمنح السلطات أدوات كافية لفرض رقابة صارمة، كما يظهر في تعاملها مع صادرات المعادن النادرة، غير أن هذه الأدوات لا تُستخدم بالدرجة نفسها في ما يتعلق بمكونات الطائرات المسيّرة أو المواد الكيميائية ذات الاستخدام المزدوج.
وفي هذا السياق، رأى التقرير أن تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية يواجه إشكالية عملية، إذ لا توجد شحنات "أسلحة" بالمعنى التقليدي يمكن استهدافها.
كما أن إعادة تصنيف مواد كيميائية مثل بيركلورات الصوديوم كسلاح قد يؤدي إلى نزاعات تجارية واسعة دون التأثير على سلاسل الإمداد الفعلية.
واقترح التقرير أن النهج الأكثر فاعلية يتمثل في ربط الإجراءات الاقتصادية بعدم اتخاذ الصين خطوات تنفيذية ضد الشركات والكيانات التي سبق أن فرضت عليها واشنطن عقوبات.
وأشار إلى وجود سابقة في هذا المجال، تتعلق بملف المواد الأولية المرتبطة بمخدر الفنتانيل، حيث نجحت واشنطن في دفع بكين لاتخاذ إجراءات تنظيمية بعد ربط الرسوم الجمركية بما وصفته بـ"فشل" السلطات الصينية في ضبط هذه المواد.
كما أشار التقرير إلى أن هذا النهج أسفر بحلول أكتوبر 2025 عن إدراج 13 مادة إضافية ضمن قوائم الرقابة في الصين، إلى جانب إنشاء آلية تعاون لمكافحة المخدرات، وإن ظل التقدم محدوداً.
ولفت إلى إمكانية تطبيق آلية مماثلة على سلاسل الإمداد الدفاعية ذات الاستخدام المزدوج، عبر ربط العقوبات بمدى التزام الصين بتنفيذ إجراءات ضد كيانات محددة سبق تصنيفها. واعتبر أن هذا المعيار يصعب على بكين الالتفاف عليه.
وأشار التقرير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدّد وقف إطلاق النار هذا الأسبوع، رغم استمرار الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة، في وقت يُتوقع فيه أن يعقد لقاء مع نظيره الصيني شي جين بينغ في بكين الشهر المقبل.
وبين هذين الاستحقاقين، تظل معادلة "رأس لفان" حاضرة في المشهد: ذخائر منخفضة الكلفة لا تتجاوز قيمتها 30 ألف دولار في مواجهة صواريخ اعتراضية تصل كلفتها إلى نحو 3 ملايين دولار، تُنتَج ضمن سلاسل توريد تعهدت بكين بأنها لن تتحول إلى منظومات تسلي.
ويرى التقرير أن هذا الاختلال يفرض على الرسالة المرتقبة بين الرئيسين معالجة الجوانب التي لم تتطرق إليها المراسلات السابق.