تعز.. مقصلة الحصار ورهانات الانكسار الحوثي
بينما تتهاوى أوهام التمدد الميداني لمليشيا الحوثي على صخرة الصمود الأسطوري لمدينة تعز، لا تجد هذه المليشيا المارقة سبيلاً لتعويض عجزها العسكري سوى إشهار سلاحها الأكثر خسة ودناءة: الحصار الخانق والتعذيب الجماعي لملايين المدنيين.
إنها المراهنة البائسة على سلب تعز أنفاسها، وتحويل حياتها اليومية إلى مأساة مفتوحة تتردد أصداؤها في تحذيرات المنظمات الإنسانية المحلية، والدولية التي باتت تدق ناقوس الخطر الأخير أمام كارثة إنسانية وشيكة وغير مسبوقة.
لم يكن حصار تعز يوماً مجرد تكتيك عسكري عابر، بل هو عقيدة انتقامية ممنهجة تمارسها المليشيا الحوثية لعقاب هذه الحاضرة الثقافية والوطنية.
تعز اليوم مخنوقة من كافة مداخلها وشرايينها الرئيسة، حيث تحولت طرقاتها الحيوية إلى متاريس للموت، وحقول للألغام. الغذاء لا يصل إلا بشق الأنفس وبأثمان مضاعفة جراء وعورة المسالك البديلة، والدواء غدا أمنية بعيدة لمرضى غسيل الكلى والأورام الذين يفتك بهم المرض ببطء خلف قضبان العزلة المليشياوية، أما قطرة الماء الصالحة للشرب فقد تحولت إلى رحلة شقاء يومية بعد أن صادرت المليشيا الآبار والحقول المغذية للمدينة في مناطق سيطرتها.
إنه حصار يطول الرمق الأخير للغذاء والدواء والماء، في أبشع صور الإبادة الصامتة التي يجرمها القانون الإنساني الدولي.
أمام هذا المشهد الدامي واللاإنساني، لم يعد مقبولاً ولا منصفاً أن تظل المواقف الرسمية حبيسة قاعات التنديد وبيانات الاستنكار الباردة.
إن مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية وقواتها المسلحة أمام اختبار تاريخي ومسؤولية وطنية وأخلاقية لا تقبل التأجيل أو المواربة.
إن كسر حصار تعز ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو بوابة العبور نحو استعادة كرامة الدولة وسيادتها، والواجب الوطني يحتّم على القوات الحكومية مغادرة مربع الدفاع والانتظار، والتحرك وفق استراتيجية عسكرية وسياسية حازمة لفرض معادلة جديدة تقهر غطرسة المليشيا وتجبرها على الانصياع الصاغر، أو اقتلاع أنياب حصارها بقوة السلاح وعدالة القضية.
لقد برهنت تعز، بصبرها الجميل وعنفوانها الراسخ، أنها عصية على الانكسار، وأن مراهنات المليشيا الحوثية على سلاح التجويع والتعطيش لن تزيد أبناءها إلا تلاحماً وتمسكاً بهويتهم الجمهورية والوطنية. غير أن هذا الصمود الأسطوري يستصرخ اليوم ضمير القرار في أعلى هرم السلطة الشرعية؛ فالتاريخ لن يرحم المترددين، وحرية تعز وفك أغلالها هي الخطوة الأولى والأساسية نحو تطهير اليمن بأكمله من دنس الكهنوت الحوثي السلالي الغاشم.