ثغرات خطيرة وتداعيات إقليمية.. خبراء "معهد واشنطن" يفككون مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية

ناقش ثلاثة خبراء في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"  أبعاد مذكرة التفاهم الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران، محذرين من ثغرات جوهرية في بنودها النووية والأمنية، ومن تداعياتها المحتملة على التوازنات الإقليمية وأمن الخليج ومستقبل النفوذ الإيراني.

وجاءت هذه الآراء خلال منتدى سياسات افتراضي عُقد في 18 يونيو/حزيران وشارك فيه ريتشارد نيفيو، المبعوث الأمريكي السابق بالإنابة لشؤون إيران، والسفير الأمريكي السابق دينس روس، والباحثة هولي داغريس.

وأعد ملخص النقاش كل من كيت تشيسنت ووئام حموشن وميريديث زيلونكا.

عقوبات محدودة 

قال ريتشارد نيفيو إن جوهر مذكرة التفاهم يقوم على مقايضة إعادة فتح مضيق هرمز بإنهاء القيود الأمريكية المفروضة على الموانئ الإيرانية، إلى جانب تعهدات بإجراء مفاوضات لاحقة وحزمة واسعة لتخفيف العقوبات بهدف ضمان التزام طهران بالاتفاق.

وأشار إلى أن المذكرة لا تتضمن، عملياً، أي تغيير جوهري في الملف النووي، إذ تلتزم إيران بالإبقاء على برنامجها النووي عند مستواه الحالي مقابل استمرار الولايات المتحدة في الإبقاء على منظومة العقوبات دون تشديد إضافي. 

أما القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، فقد جرى ترحيلها إلى مفاوضات اتفاق نهائي مستقبلي.

وأوضح أن الصياغة الحالية التي تتحدث عن خفض نسبة التخصيب أو احتمال تصدير المواد النووية قد تسهم مستقبلاً في تقليص المخاطر، لكنها لا تعالج التهديد القائم حالياً.

ولفت إلى أن النص يكاد يخلو من أي تفاصيل تتعلق بآليات التحقق أو بالدور الرقابي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويرى نيفيو أن هذه الثغرات تثير القلق بشكل خاص بالنظر إلى حجم التخفيف الاقتصادي المقترح. فبينما يبقى صندوق إعادة الإعمار البالغة قيمته 300 مليار دولار رهناً بالتوصل إلى اتفاق نهائي، تتضمن المذكرة بندين فوريين أكثر تأثيراً: تحرير صادرات النفط الإيرانية من القيود المفروضة عليها، وتمكين طهران من الوصول إلى أصول مالية مجمدة تتراوح قيمتها بين 24 و100 مليار دولار.

وحذر من أن إيران قد تستخدم هذه الموارد المالية السريعة لإعادة بناء قدراتها الصاروخية وتعزيز شبكات حلفائها الإقليميين وتمويل أنشطة تعتبرها واشنطن ودول أخرى مزعزعة للاستقرار.

وأثار تساؤلات حول ما سيحدث بعد انتهاء مهلة الستين يوماً المحددة للتفاوض على اتفاق نهائي، معتبراً أن هذه الفترة قد تتحول إلى إطار قابل للتمديد المفتوح، خصوصاً أن البديل المطروح هو العودة إلى المواجهة العسكرية. وبذلك، قد تتحول مذكرة التفاهم عملياً إلى اتفاق دائم بحكم الأمر الواقع.

وقارن نيفيو الاتفاق الحالي بخطة العمل المشتركة المؤقتة الموقعة عام 2013، معتبراً أن المقارنة بها أكثر دقة من مقارنته بالاتفاق النووي لعام 2015. 

وأوضح أن اتفاق 2013 فرض قيوداً أوضح على تخصيب اليورانيوم ووسع صلاحيات التفتيش الدولي مقابل تخفيف محدود للعقوبات، في حين يمنح الاتفاق الجديد مساحة أوسع لصادرات النفط الإيرانية دون تقديم خطوات موازية في المجال النووي أو الرقابي.

وأضاف أن طهران تمتلك حوافز قوية للاستمرار في الاتفاق، لكنها ستسعى على الأرجح إلى انتزاع مزيد من التنازلات الاقتصادية خلال المفاوضات المقبلة.

تناقض ومخاطر

وفي ما يتعلق بأدوات الضغط الأمريكية، رأى نيفيو أن تصريحات الرئيس دونالد ترامب المتكررة ضد العودة إلى الصراع أضعفت بعض عناصر الردع التي كانت تملكها واشنطن. 

واعتبر أن نجاح النهج الأمريكي سيتطلب ضمان حصول إيران على المنافع الاقتصادية المتفق عليها، وهو ما وصفه بأنه مسار يحمل قدراً كبيراً من التناقض والمخاطر.

وأشار أيضاً إلى أن تنفيذ بنود المذكرة سيفرض على الولايات المتحدة تنسيقاً واسعاً مع أطراف دولية فاعلة، بما في ذلك روسيا والصين، في ظل الإشارات الواردة إلى عقوبات الأمم المتحدة ومتطلبات توفير المكاسب الاقتصادية لإيران.

أما على المستوى الإقليمي، فرجح أن تعزز السياسة الأمريكية الحالية مشاعر عدم اليقين لدى الحلفاء، وأن تدفع بعضهم إلى تفضيل دور أمريكي أقل تدخلاً مقابل تحملهم مسؤولية أكبر في إدارة أمنهم الإقليمي.

أدوات ضغط أمريكية 

من جانبه، ركز السفير الأمريكي السابق دينس روس على التداعيات الاستراتيجية للمذكرة، معتبراً أن النص يمنح إيران فرصة لتعزيز نفوذها في إدارة مضيق هرمز.

وأوضح أن الاتفاق ينص على إبقاء المضيق مفتوحاً لمدة ستين يوماً مع ضمان حرية العبور دون رسوم، على أن تبدأ بعد ذلك مباحثات بين إيران وعُمان ودول الخليج بشأن الإدارة والخدمات البحرية، وهو ما قد يفتح الباب أمام ترسيخ دور إيراني مؤثر في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

وانتقد ربط ملفات مضيق هرمز بالأوضاع في لبنان، معتبراً أن أولوية طهران الحقيقية تتمثل في الحفاظ على قدرات حزب الله وليس دعم الدولة اللبنانية.

وقال إن أي ربط بين تنفيذ المذكرة واستمرار وقف إطلاق النار في لبنان قد يتيح للحزب فرصة إعادة بناء قدراته بدلاً من التقدم نحو نزع سلاحه.

وشدد روس على أن تفادي هذه السيناريوهات يتطلب استخدام أدوات الضغط التي تؤكد الإدارة الأمريكية أنها ما زالت تملكها، لكنه رأى أن بعض التصريحات الأخيرة للرئيس ترامب أرسلت إشارات معاكسة بشأن الاستعداد لتحمل كلفة التصعيد.

مخاوف خليجية 

وفي معرض المقارنة مع الاتفاق النووي لعام 2015، أشار إلى أن الظروف الحالية تختلف جذرياً، إذ جاءت المفاوضات الجديدة بعد حرب ألحقت أضراراً بالبرنامج النووي الإيراني، في وقت تمتلك فيه طهران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب لم يكن موجوداً بالحجم نفسه عند توقيع الاتفاق السابق.

ولفت إلى أن الاتفاق النووي لعام 2015 فرض سقفاً صارماً للتخصيب وألزم إيران بإخراج معظم مخزونها من اليورانيوم إلى خارج البلاد، بينما لا تتضمن المذكرة الحالية التزامات مماثلة، بل تكتفي بالإشارة إلى احتمال تخفيف نسبة التخصيب داخل إيران تحت إشراف جهات لم يجر تحديدها.

وأضاف أن هذا الغموض يثير تساؤلات إضافية حول آليات الرقابة، خصوصاً في ظل غياب دور واضح للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي كانت تضطلع سابقاً بمهام إشراف موسعة.

ورأى روس أن الحرب الأخيرة سلطت الضوء على الحاجة الملحة لدمج أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي بين دول المنطقة لحماية منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية.

وقال إن الوجود العسكري الأمريكي لم يمنع تعرض بعض الدول للهجمات، كما أن عمليات الإخلاء التي طالت منشآت أمريكية خلال القتال أثارت تساؤلات لدى حلفاء واشنطن بشأن مدى التزامها طويل الأمد بأمن المنطقة.

وأضاف أن أي تقليص دائم للوجود العسكري الأمريكي قد يزيد من شعور دول الخليج بالهشاشة الأمنية، رغم تراجع القدرات العسكرية الإيرانية نتيجة الحرب.

وفي المقابل، رأى أن الاتفاق قد يدفع دول المنطقة إلى تعزيز استثماراتها الدفاعية وتطوير بدائل استراتيجية لمضيق هرمز، بما في ذلك مشاريع الربط الاقتصادي والنقل بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والتي يمكن أن توفر مسارات بديلة للتجارة والطاقة بعيداً عن مضيقي هرمز وباب المندب.

وأشار إلى أن بعض دول الخليج قد تنظر في المشاركة بمشاريع إعادة إعمار داخل إيران، لكن أي استثمارات كبيرة ستظل مشروطة، في تقديره، بإحداث تغيير ملموس في سلوك طهران الإقليمي.

واختتم بالقول إن الرهان الأمريكي على جذب إيران إلى الاقتصاد العالمي قد لا يكون كافياً لتغيير سلوك النظام، نظراً إلى استمرار حضور البعد الأيديولوجي وطموحات الهيمنة الإقليمية في تفكير القيادة الإيرانية.

صدمة المعارضة الإيرانية 

أما هولي داغريس، فاعتبرت أن جانباً مهماً من النقاشات حول المذكرة أغفل تأثيراتها السياسية والرمزية داخل إيران.

وأشارت إلى أن توقيع الرئيس ترامب للمذكرة في قصر فرساي منح السلطات الإيرانية فرصة لتقديم الاتفاق داخلياً باعتباره انتصاراً سياسياً على الولايات المتحدة، مستفيدة من الرمزية التاريخية المرتبطة بالمكان.

وأضافت أن الانقسامات داخل إيران بشأن الاتفاق تعكس إلى حد كبير الجدل الدائر في واشنطن. فالمتشددون يرفضون المذكرة باعتبارها تنازلاً غير مبرر للولايات المتحدة وتفريطاً ببعض أوراق النفوذ الإيراني، بينما يرى بعض الإصلاحيين أنها تمثل اعترافاً أمريكياً بالدور الإقليمي لإيران وبسيادتها.

ولفتت داغريس إلى أن قطاعاً واسعاً من الإيرانيين المعارضين للنظام ينظر إلى الاتفاق باعتباره خيبة أمل كبيرة، بسبب غياب أي بنود تتعلق بحقوق الإنسان، رغم تعهدات سابقة من إدارة ترامب بدعم المطالب الشعبية داخل إيران.

وقالت إن السلطات الإيرانية واصلت، خلال الأشهر الأخيرة، حملات القمع والإعدامات بحق عدد من المشاركين في الاحتجاجات، كما أعادت إحياء ملفات اجتماعية وثقافية قديمة لتعزيز قبضتها على المجتمع.

ورأت أن الإدارة الأمريكية كان بإمكانها إدراج ملفات حقوق الإنسان ضمن المفاوضات، بما في ذلك الدعوة إلى وقف الإعدامات والإفراج عن السجناء السياسيين ودعم حرية الإنترنت وتجديد تأشيرات الطلاب الإيرانيين وتوفير الحماية لطالبي اللجوء.

واعتبرت أن تجاهل هذه القضايا قد يؤدي إلى تآكل صورة الولايات المتحدة لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين الذين ينظرون إليها تقليدياً بوصفها داعماً للحريات والحقوق المدنية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، شككت داغريس في قدرة تخفيف العقوبات وحده على تحسين الظروف المعيشية للإيرانيين، مشيرة إلى أن الجزء الأكبر من الموارد المالية قد يذهب إلى أولويات النظام السياسية والأمنية، في حين ستبقى مشكلات الفساد وسوء الإدارة عائقاً أمام تحقيق إصلاح اقتصادي مستدام.

وأضافت أن المذكرة لا تقدم حلاً نهائياً للملف النووي، بل تؤجل معالجة جوهر المشكلة إلى مرحلة لاحقة.

لبنان بؤرة التوتر

وفي ما يتعلق بالمشهد الداخلي الإيراني، توقعت داغريس أن تركز طهران خلال المرحلة المقبلة على إعادة ترتيب أوضاعها الداخلية وإعادة الإعمار بعد الأضرار التي خلفتها الحرب، إلى جانب الاستعداد للاستحقاقات السياسية المرتبطة بمرحلة ما بعد المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي.

وأشارت إلى أن القيادة الإيرانية دفعت باتجاه تعزيز دور القطاع الخاص في جهود التعافي الاقتصادي، مع التركيز على تعميق العلاقات مع الصين التي تعد أكبر مستورد للنفط الإيراني.

وختمت بالقول إن بؤرة التوتر الأكثر احتمالاً في المدى القريب ستظل مرتبطة بالتطورات في لبنان، حيث تعتبر طهران أن أي عمليات عسكرية إسرائيلية جديدة قد تشكل خرقاً لترتيبات وقف إطلاق النار وتفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد المتبادل.