مليشيا الحوثي.. القبائل وقود لجبهات الاستنزاف

خلف الحملات الدعائية الكثيفة والتضليل الإعلامي حول النكف القبلي وتماسك الجبهة الداخلية، تكشف المستجدات الميدانية الأخيرة في اليمن عن استراتيجية عنصرية ممنهجة تعتمدها مليشيا الحوثي في إدارة قواها البشرية، حيث تحولت جبهات الاستنزاف المشتعلة مؤخراً في تعز، والساحل الغربي، ومأرب والجوف، إلى محرقة منظمة، لتصفية وإنهاك أبناء القبائل اليمنية. 

تقتضي خطة المليشيا سوق أبناء القبائل قسراً إلى خطوط النار الأولى المكشوفة لامتصاص الضربات، بينما تحاط القيادات السلالية والعقائدية بالرعاية والتحصين الكاملين في المخابئ والخطوط الخلفية.

التكلفة البشرية الفاضحة

في ظل التصعيد العسكري الواسع الذي انفجر مؤخراً، تكشف بيانات الرصد المستقلة عن حجم الاستنزاف المهول الذي يتعرض له اليمنيون؛ إذ وثّقت التقارير الحقوقية المحلية والإعلامية مقتل وتشييع المئات من عناصر المليشيات، خلال الايام الأخيرة فقط من التصعيد المحموم.

وتشير البيانات الاستقصائية إلى أن الخدعة الحوثية تقوم على دفع المجندين الجدد، وأبناء القبائل من طوق صنعاء، وعمران، وذمار، وحجة، وصعدة وإب، إلى حتوفهم في مواجهات مكشوفة. وفيما تشهد مستشفيات صنعاء وإب تدفقاً متواصلاً للجثث والأشلاء، تؤكد الإحصاءات الطبية المتقاطعة أن أكثر من 90% من قتلى المليشيا في الخطوط الأمامية ينتمون إلى أبناء القبائل والمديريات الأشد فقراً، في مقابل صفر خسائر تقريباً في صفوف أبناء العائلات العقائدية الحوثية السلالية، الذين يكتفون بالظهور في منصات التشييع وتوزيع صور الصرعى.

 تفكيك البنية القبلية

الفضيحة لا تقتصر على سوق الشباب كوقود للمدافع، بل تمتد إلى هندسة خبيثة تهدف إلى تجريف القوة التقليدية للقبيلة اليمنية. 

ووفقاً لتقرير صادر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، تم توثيق أكثر من 1937 انتهاكاً حوثياً مباشراً استهدف زعماء القبائل والوجاهات الاجتماعية في 13 محافظة يمنية. تنوعت هذه الانتهاكات بين التصفية الجسدية المباشرة، من اغتيال وتصفية المشايخ الذين يبدون تبرماً من سياسات المليشيا أو يتلكأون في حشد المقاتلين.

الإذلال والابتزاز؛ ومداهمة منازل الوجاهات القبلية وتفجيرها لإخضاع القبائل وإحلال الولاء للمليشيا بقوة السلاح بديلًا عن الأعراف القبلية والاجتماعية. الدفع إلى معارك انتحارية، حيث منحت المليشيا رتباً عسكرية فخرية (لواء، عميد، عقيد) للمئات من مشايخ الضمان والوجاهات القبلية الشابة، ثم دفعت بهم عن عمد لإدارة غرف عمليات متقدمة ومكشوفة، مما أدى لتصفيتهم والتخلص من ثقلهم القبلي المستقبلي. 

سماسرة البشر

بسبب الانهيار المالي الحاد الذي يواجه المليشيا وتآكل خزانها البشري نتيجة الهجمات المضادة، تحول المشرف الحوثي في المديريات إلى سمسار ومقاول بشر. حيث، تفرض المليشيا على كل شيخ قرية أو قبيلة حصّة بشرية من الأطفال والشباب لتغذية معسكرات التدريب إجبارياً.. وفي حال العجز أو الرفض، تبدأ المليشيا بتنفيذ إجراءاتها القمعية، مثل سلاح الجبايات والمنع من حصص الغاز المنزلي، ومصادرة الأراضي، وفرض ضرائب وإتاوات جائرة تحت مسمى المجهود الحربي لخنق القبيلة اقتصادياً.

بالإضافة إلى الاختطاف وتلفيق التهم، حيث يتم توجيه تهم العمالة والخيانة، للوجاهات الرافضة، والزج بهم في السجون السرية.

 انتفاضة المآتم.. تصدع جدار الولاء والتمرد القبلي الصامت

هذه المحرقة المستمرة بدأت تفرز وعياً عكسياً بمرارة الخديعة في أوساط القبائل؛ حيث تشهد محافظات مثل عمران، وحجة، وصعدة وإب غلياناً وتمرداً صامتاً، ضد آلة الحشد الحوثية، من رفض التحشيد والتجنيد الإجباري، حيث تسجل لجان الحشد الحوثية تراجعاً ضخماً في استجابة القبائل لدعوات ما يسمى بالنكف. بالإضافة إلى انتفاضة المجالس، فقد تحولت مجالس العزاء والمآتم في القرى القبلية إلى ساحات علنية لمهاجمة المشرفين الحوثيين؛ إذ يواجه الأهالي قادة المليشيا بعبارات لاذعة: "أرسلوا أبناءكم القابعين في فلل صنعاء وسياراتها الفارهة قبل أن تأخذوا أطفالنا لمقابركم".

عدا عن تهريب الشباب؛ حيث تعمد العديد من العائلات القبلية إلى تهريب أبنائها نحو مناطق خارج سيطرة المليشيا أو إخفائهم في الجبال الشاهقة لتجنب حملات الاختطاف والتجنيد القسري.

حطب القبيلة لحماية المليشيا السلالة

تثبت الأدلة الميدانية ومؤشرات التشييع اليومية أن مليشيا الحوثي لا ترى في جغرافيا القبيلة اليمنية سوى مخزون بشري مجاني، ولا تنظر لرجالها إلا كـحطب توقده لإطالة أمد بقائها في السلطة وحماية مصالح القيادة العقائدية المقربة من زعيمها. 

لكن استمرار نزيف الدم القبلي في معارك التثبيت والسيطرة العبثية يشير إلى أن جدار الخوف ينكسر، وأن هذا الاستنزاف بات القنبلة الموقوتة التي تهدد العمق الاستراتيجي للمليشيا من الداخل.